الشاهد الخامس والعشرون بعد المائتين
1، 2
لَاتَ هَنَّا ذِكْرَى جُبَيْرَةَ أَوْ مَنْ... جَاءَ مِنْهَا بِطَائِفِ الأَهْوَالِ
أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس بن جندل بن شرحبيل بن عوف بن سعد بن ضُبيعة بن قيس بن ثعلبة الشاعر المشهور، والبيت المذكور من قصيدة لامية وأولها هو قوله:
1 - ما بكاءُ الكبيرِ بالأطْلالِ... وسُؤالي فما يَرُدّ سؤالي
2 - دِمنةٌ قفرةٌ تعاوَرَها الصيف... بريحَيْن مِن صَبا وشمالِ
3 - لَاتَ هَنَّا ذِكْرَى جُبَيرَةَ أَوْ مَنْ... جَاءَ مِنْهَا بِطَائِفِ الأَهْوَالِ
4 - حَلَّ أهلي بَطْنَ الغميسِ فَبَادَو... لي وحَلَّتْ عُلويّة بالسِّخالِ
5 - تَرْتَعِي السَّفح فالكثيب فذو قا... ر فرَوْضَ القطا فَذاتَ الرَّئالِ
6 - رُبّ خَرْقٍ مِنْ دُونِها يخرسُ السَّفـ... ـر وَمِيلٍ يُفْضِي إلى أميالِ
7 - وسِقاءٍ تُوكَا على تأقِ الْما... ءِ بِسَيرٍ ومُستقى أَوْشَالِ
8 - وادّلاجٍ بعد المنامِ وتهجيـ... ـرٍ وقُفٍ وسَبْسَبٍ ورمال
9 - وقليبٍ أجْنٍّ كأن من الريـ... ـشِ بأرْجائِهِ لُقوطَ نِصَالِ
10 - فَلَئِنْ شطَّ بي المزارُ لقد أَغْـ... ـدُو قَليلَ الهُمومِ نَاعِمَ بَالِ
11 - إذْ هَي الهمَّ والحديثُ وإذ يَقْـ... ـضي إليك الأمير ذو الأقوالِ
12 - ظَبْية مِنْ ظِباءِ وجْرَة أَدْما... ء تَسفُّ الكباثَ تَحْتَ الهدالِ
13 - حُرَةٌّ طَفلةُ الأنَاملِ تَرْتَـ... ـبُّ سُخامًا تكُفُّه كلال
وهي طويلة من الخفيف.
1 - قوله: "ما بكاء الكبير" أراد الأعشى بالكبير نفسه كأنه يعذل نفسه في وقوفه على الأطلال وسؤاله إياه، ثم رجع إلى نفسه فقال: وما الذي يرد سؤالي.
2 - قوله: "دمنة": نصب على تقدير أعني، ويروى: دمنة بالرفع على أن تكون اسم "ما" في
قوله: "فما يرد" أي: فما دمنة ترد عليّ سؤالي، والدمنة: بكسر الدال؛ آثار الناس وما سودوا، و "قفرة": صفة لدمنة على الوجهين، وهي الأرض الخالية، [قوله:] 1 "تعاورها": من المعاورة وهي أن تهب الشمال مرة ثم تعقبها الجنوب ثانية أو الصبا، وكل ريح عاقبتها ريح فقد عاورتها.
3 - قوله: "لات هنا" أي: ليس هذا الحين حين ذكرى جبيرة، فهنا -بفتح الهاء وتشديد النون، إشارة إلى الزمان، و "جبيرة" بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء وفي آخرها هاء، وضبطها بعضهم: جَبَيرة -بفتح الجيم؛ وهي جبيرة بنت عمرو من بني حزم بن بكر بن وائل، ويقال: هي امرأة الأعشى، قوله: "بطائف الأهوال" الطائف: العاس، وهو الذي يطوف بالليل، ومنه الطيف الذي يراه النائم، والأهوال: جمع هول وهو الخوف، يقال: هالني يهولني، وأراد به هاهنا الخيال كأنه رآها في النوم وهي غضبى فارتاع لذلك.
4 - قوله: "حل أهلي" أي: قومي، و "بطن الغميس" بفتح الغين المعجمة وكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، وهو قريب من الكوفة، و"بَادَوْلي" بالباء الموحدة وفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح اللام؛ موضع بسواد العراق، و "السخال" بكسر السين المهملة والخاء المعجمة؛ من أرض العالية، وهي هضاب صغار متقارب بعضها من بعض في أرض مستوية، إذا نظر إليها الناظر ظنها سخالًا تُرعَى حتى يقرب منها فحينئذ يعلم أنها هضاب، قوله: "علوية": نصب على الظرفية؛ أي: حلت جبيرة في علوية بالسخال؛ أي: في عالية بها.
5 - قوله: "ترتعي" ليس يريد جبيرة بهذا اللفظ، وإنما يعني القبيلة، و "السفح": سفح الجبل، وأراد به هاهنا موضعًا مشهورًا و "الكثيب": كثيب الرمل، وهاهنا اسم موضع، و "ذو قار" بالقاف؛ موضع كانت فيه حرب بين الفرس وبكر بن وائل 2، و "روض القطا": رياض متصل بعضها ببعض؛ فالقطا تبيض فيها وتأويها، فلذلك نسبت إليه، و "ذات الرئال" بكسر الراء وفتح الهمزة؛ مفاوز متصل بعضها بعض تكون فيها النعام لقلة مائها والنعام لا يريد الماء، و "الرئال": فراخ النعام، الواحد: رأل بفتح الراء وسكون الهمزة.
6 - قوله: "ورب خَرقْ" بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفي آخره قاف؛ وهو من الفلاة الموضع الذي تنخرق فيه الريح، قوله: "يخرس السفر": من الإخراس -بالخاء المعجمة، وإنما يخرس السَّفْر؛ لأن خوفهم شديد فيه لا يتكلمون ولا ينطقون؛ أو لأجل خوف العطش يكرهون الكلام؛ لأن المتكلم يعطش، والسَّفر -بفتح السين المهملة وسكون الفاء: جمع سافر؛ وهم المسافرون، قوله: "ميل" بكسر الميم وهو العلامة، وقيل: المسافة بين كل علمين.
7 - قوله: "وسقاء" أي: ورب سقاء، وهو الدلو، والمراد بها القربة هاهنا، "توكأ" أي: تربط، قوله: "على تَأقٍ" بفتح التاء المثناة من فوق وفتح الهمزة وفي آخره قاف، وهو فيض الإناء بعد ملئه، والتأق أيضًا: الملء نفسه، يقال: أَتْقَأْته وأترعته بمعنى واحد، قوله: "بسير" يتعلق بقوله: توكا، وربما يريد به بعضهم المسير، و "المستَقَى" بفتح التاء والقاف؛ الموضع الذي يستقى منه، و "الأوشال": جمع وَشَل -بفتحتين والشين معجمة وهو الماء القليل.
8 - قوله: "وادّلاج" بتشديد الدال، وهو السير في آخر الليل، والإدْلاج -بسكون الدال سير الليل كله، و "التهجير": السير في الهاجرة، و "القف" بضم القاف وتشديد الفاء؛ الغليظ من الأرض، و"السبسب": البعيد الأطراف المستوي.
9 - قوله: "وقليب" بفتح القاف؛ وهو البئر، و "الأجْن" بفتح الهمزة وسكون الجيم وفي آخره نون، وهو الماء المتغير، يقال: أجن الماء يأجن أجونًا وأسن يأسن أسنَا، و"أرجاء البئر": نواحيها ما بين أعلاها إلى أسفلها، واحدها رجا مقصور، و "النصال": نصال السهم.
11 - قوله: "الأمير" أي: القيم، و"الأقوال": المواعظ من القول، قوله: "وجْرَة" بفتح الواو وسكون الجيم وفتح الراء؛ وهي ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة.
12 - قوله: "أدماء" بفتح الهمزة أي: حمراء وهي أطول الظباء أعناقًا وأضخمها أبدانًا ولها جدنان سوداوان في مراق بطنها، قوله: "تسف الكباث" أي: ترعى الكباث، وهو الغض من ثمر الأراك، و"الهدال" بفتح الهاء؛ ما تهدّل عليها من غصون الشجر.
13 - قوله: "طفلة الأنامل" بفتح الطاء أي: رخصة الأنامل، وهي الناعمة، قوله: "ترتبّ" أي: تغدُو سخامًا، أي: الشعر بالدهن والطيب.
الإعراب:
قوله: "لات" بمعنى: ليس، و: "هنا" بفتح الهاء وتشديد النون، قيل: ظرف مكان بمعنى: هُنَا، و"ذكرى": مبتدأ، وخبره ظرف المكان قبله، والجملة من المبتدأ والخبر منفية بلات، وهذا ضعيف؛ لأنه مخالف لما ذكره سيبويه من أن "لات" لا يجاوز بها الحين رَفَعْتَ أَوْ نَصَبتَ 1.
وقيل: إن "هَنّا" هاهنا اسم زمان مرفوع بلات، "وذكرى جبيرة" في موضع نصب على أنه خبر لات، والتقدير: لات هذا الحين حين ذكرى جبيرة فحذف المضاف الذي هو حين، وأقيم
المضاف (1) إليه مقامه، وهو المصدر، وحَذْفُ أسماء الزمان وإقامة المصادر التي أضيفت إليها مقامها نحو: مقدم الحاج وخفوق النجم كثير في كلامهم، ويكون "هَنّا" على هذا التقدير مما استعمل في الزمان.
قوله: "أو من جاء" ويروى: "أم من جاء منها" وهو استفهام فيه مضمر تقديره: الجبيرة تذكر أم من جاء منها؟ يعني: طيفها الطارق له في منامه، قوله: "بطاثف الأهوال": كلام إضافي يتعلق بجاء.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لات هَنّا"؛ حيث جاءت "لات" هاهنا مهملة لعدم دخولها على الزمان؛ لأن قوله: "ذكرى": مبتدأ وليس بزمان ونطره "لات" التي في البيت السابق (2).