الشاهد التاسع والستون بعد المائتين
3, 4 أَحَقًّا أنَّ جيرَتَنا اسْتَقَلُّوا... فَنِيّتُنا ونِيّتهُمْ فَرِيقُ أقول: قائله هو رجل من عبد القيس، وقال محمَّد بن سلام الجمحي: هذا الشعر للمفضل ابن معشر البكري، وسمي مفضلًا لهذه القصيدة؛ فإنَّه فضل بها على غيره، وتسمى القصيدة المنصّفة، وأولها هو البيت المذكور، وبعده 5. 2 - فَدمْعِي لؤلؤٌ سَلِسٌ عُراهُ... يَخِرُّ على المهاوي ما يَلِيقُ 3 - فودِّعْها وإنْ كانت أناةً... مُبَتَّلَةً لها خَلْقٌ أَنِيقُ وقال صاحب الحماسة البصرية: قال عامر بن أسحم بن عدي الكندي شاعر جاهلي: 1 - ألَمْ تر أَنَّ جيرتنَا استقلُّوا... فنيَّتنا ونيَّتهُمْ فَرِيقُ12
2 - تَلاقَينَا بِسَبسَبٍ ذي طَرِيفٍ... وبعضُهمْ على بَعضٍ حَنِيقُ
3 - فجاءوا عارضًا بُرْدًا وجئنا... كمثلِ السَّيلِ أنَّ به الطَّرِيقُ
4 - كَأنَّ النَّبْلَ بَينَهُمْ جَرَادٌ... تُصفقه شآمية خريقُ
5 - كَأن هَزِيزَنَا لمَّا الْتَقَينَا... هَزيزُ أبَاءَةٍ فيهَا حَرِيقُ
6 - بكُل قَرَارَةٍ مِنَّا ومِنهُمُ... بَنَانُ فَتًى وجُمْجُمَةٌ فَلِيقُ
7 - فكَمْ مِنْ سَيِّدٍ فِينَا وفِيهِمْ... بذي الطرفَاء منْطِقُهُ شَهِيقُ
8 - فأشبعْنَا السِّبَاعَ وأشْبَعُونَا... فرَاحَتْ كُلُّهَا تَيقٌ يَعُوقُ
9 - وأبكينا نسَاءَهُمْ وأبْكَوْا... نِسَاءً مَا يَجِفُّ لَهُنَّ مُوقُ
10 - يجاوبن النباح بكل فَخْرٍ... وقد بُحَّتْ من النَّوْحِ الحلوقُ
11 - تركنا الأبيض الوضَّاح فيهم... كأن سَوَادَ لِمتَّهِ العُذُوقُ
12 - تعاوره رماح بني لَكيز... فَخَرَّ كأنَّه سَيْفٌ ذَلِيقُ
13 - وقد قَتَلُوا بِهِ مِنَّا غُلامًا... كَرِيمًا لَم تَأَشبهُ العُرُوقُ
14 - فلما استَيقَنُوا بالصَّبرِ منا... تَذَكَّرَتِ الأيَاصِرُ والحقوقُ
15 - فأبقينا ولو شئنا تركنا... لجيمًا لا نَقُود ولا نَسُوقُ
وهي من الوافر وفيه العصب والقطف.
1 - قوله: "جيرتنا" بكسر الجيم، جمع جار، قوله: "استقلوا" أي: نهضوا مرتحلين مرتفعين من قولهم: استقل القوم إذا مضوا وارتحلوا، قوله: "فَنِيَّتُنَا" أراد بالنية الوجه الذي يقصده السافر من قرب أو بعد، قوله: "فريق" معناه: مُفْتَرِقَةٌ 1، وقال الأعلم في شرح هذا البيت: الفريق يقع للواحد المذكر وغيره؛ كصديق وعدو، ومعناه ها هنا ما ذكرناه يصف الشَّاعر افتراقهم عند انقضاء المرتبع ورجوعهم إلى محاضرهم 2.
2 - قوله: "عراه" أي: خروقه، قوله: "يخر" أي: يسقط، و"المهاوي": ما بين العين إلى الصدر، مفرده مهواة، قوله: [ما يليق] 3 أي: ما يَثْبُتُ ولا يستمسك.
3 - و"الأنَاة" بفتح الهمزة والنون؛ وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأن، قوله: "مُبتَّلة" بضم الميم وفتح الباء الموحدة وتشديد التاء المثناة من فوق وفتح اللام، يقال: امرأة مبتَّلة
أي: تامة الخلق لم يركب لحمها بعضه بعضًا ولا يوصف به الرَّجل، قوله: "أنيق" أي: حسن معجب.
2 - قوله: "بسبسب" أي: مفازة 1، و"الطريف" بالفاء؛ النصي إذا ابيض، و"النَّصيّ" بفتح النُّون وكسر الصاد المهملة؛ نوع من النبت، قوله: "حَنِيقَ" فعيل من الحنق وهو الغيظ.
3 - و"العارض": الجبل، قال أبو عبيدة: وبه سمي عارض اليمامة، والعارض: السحاب المعترض في الأفق، قوله: "أن به الطريق" من الأنين، فكأنه أنَّ من كثرة السيل كأنين المريض من كثرة الوجع.
4 - [قوله] 2 "كأنَّ النَّبلَ بَينَهُمْ جَرَادٌ" شبه السهام بالجراد في كثرتها وغَشيَانها الهواء، قوله: "تصفِّقُه" بتشديد الفاء؛ أي: تحوله، وأصله من تصفيق الشراب وهو تحويله من إناء إلى إناء، قوله: "شآمية" أراد بها الريح التيِ تأتي من ناحية الشَّام، و"الخريق" بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء؛ وهي الريح الباردة الشديدة الكثيرة الهبوب.
5 - قوله: "كَأَنَّ هَزِيزَنَا" أي: تحركنا، من هز الحادي الإبلِ 3 هزيزًا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه، و"الأباءة" بفتح الهمزة والباء الموَحدة؛ القصب.
6 - قوله: "بكل قرارة" أي: في كل قرارة، وهي القاع المستدير، وهي بفتح القاف والراء المخففة وبعد الألف راء أخرى، و"الجُمْجُمَةُ" بالضم؛ عظم الرأس المشتمل على الدماغ، و"الفليق" فعيل؛ من الفلق وهو الشق، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
7 - و"ذو الطرفاء" موضع.
8 - قوله: "تِيق" بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف، قال الأُموي 4: التيق: السريع إلى الشر، وقال الأصمعيّ: هو الحديد 5.
9 - و"الموق" بضم الميم وسكون الهمزة في الأصل وها هنا أبدلت واوًا، وموق العين: طرفها مما يلي الأنف، و"اللحاظ": طرفها مما يلي الأذن، والجمع آماق.
10 - قوله: "بُحَّت": من البُحَّة، يقال: في صوته بُحّة إذا انقطع من كثرة العياط والبكاء.
11 - و"الأبيض": السيف، المراد به ها هنا اسم رجل، و"الوضاح": صِفَتُه، قال الجوهري: الوضَّاح أبيضُ اللونِ الحسن 1، قوله: "كَأَنَّ سَوادَ لمِتهِ العُذُوق" اللمة -بتشديد اللام وكسر الميم: الشعر يجاوز شحمة الأذن، و"العُذوق" بضم العين المهملة والذال المعجمة؛ جمع عَذْقٍ بالفتح، وهي النخلة بحملها، والعذق بالكسر: الكياسة.
12 - قوله: "تعاوره" أي: تداوله، قوله: "ذَلِيق" بفتح الذال المعجمة وكسر اللام؛ أي: محدد الطرف.
13 - قوله: "لم تُؤشِّبهُ" أي: لم تخلطه العروق يقال: تأشب القوم إذا اختلطوا، وأراد بالعروق: الأنساب، وهو جمع عرق، وعرق كل شيء: أصله، ومنه عرق الشجرة.
14 - و"الأياصر": القرابات.
الإعراب:
قوله: "أحقًّا" الهمزة للاستفهام، و"حقًّا" نصب على الظرف المجازي عند سيبويه والجمهور 2.
والأصل: أفِي حق هذا الأمر؛ معدود في الحق وثابت، ويؤيده: أنَّهم ربما نطقوا بِفِي داخلة عليه، قال الشَّاعر 3:
أفِي الحق أنِّي مغرم بك هائم...........................
وأن ما بعدها يحتمل الوجهين 4:
أحدهما: أن يكون مبتدأ خبره الظرف، والتقدير: أفِي حق استقلال جيرتنا, ولا يجوز كسرها لأن الظرف لا يتقدم على إن المكسورة لانقطاعها عما قبلها.
والثاني: وهو الوجه أن يكون فاعلًا بالظرف لاعتماده؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: 10] وقال المبرد: انتصاب حقًّا على المصدرية، والتقدير: أحق حقًّا ثم أنيب المصدر عن
الفعل، وارتفاع أن وما بعدها عنده على الفاعلية (1)، ولم يطلع ابن الناظم على هذا النقل من المبرد فقال: جوَّز شيخنا -يعني: الناظم أن يكون حقًّا مصدرًا بدلًا من اللفظ بالفعل (2).
قوله: "جيرتنا": اسم إن، و"استقلوا": خبره، قوله: "فَنِيَّتُنَا": مبتدأ، "ونيتهم": عطف عليه، وقوله: "فريق": خبره، والفريق وإن كان مفرد اللفظ ولكن معناه يؤدي معنى الجمع يقال: هؤلاء فريق؛ كما يقال للجماعة: صديق.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن جيرتنا" حيث فتحت "إن" فيه بعد قوله: "حقًّا" كما تقول في قولك: حقًّا أنك ذاهب؛ أي: في حق ذهابك (3).