الشاهد الثاني والتسعون بعد التسعمائة
1، 2
كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ..............................
أقول: قائله هو النابغة الذبياني زياد بن معاوية، وتمامه:
................................ وليلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَواكِبِ
وهو من قصيدة يمدح بها عمرو بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر، ويقال: شمر بإسكان الميم حين هرب إلى الشام لما بلغه سعي مرة بن ربيعة فرفع به إلى النعمان وخافه، والبيت المذكور من أول قصيدة، وبعده 3:
2 - تطاولَ حتى قلتُ ليسَ بمُنْقَضٍ... وليس الذي يرعَى النُّجومَ بآيِبِ
3 - وصدرٍ أزَاحَ الليلُ عازبَ همِّهِ... تضاعفَ فيه الحزنُ من كلِّ جانبِ
4 - عليَّ لِعمرٍو نعمةٌ بعدَ نعمةٍ... لِوالدِهِ لَيستْ بذاتِ عقاربِ
5 - حلَفْتُ يمينًا غيرَ ذِي مثْنَويَّةٍ... ولا عِلْمَ إلَّا حُسْنُ ظَنٍّ بصاحبِ
وهي من الطويل.
قوله: "كِليني" أي: دعيني، وأصله من وكل وكلًا ووكولًا، وهذا الأمر موكول إلى رأيك: و "أميمة": اسم امرأة، و "ناصب": بمعنى منصب من النصب وهو التعب، فجاء به على طرح الزائد، وحمله سيبويه على النسب؛ أي: ذي نصب 4؛ كما يقال: طريق خائف؛ أي ذو خوف، قوله: "أقاسيه" أي: أكابده وأعالج دفع طوله، ومعناه: أنه يقول: دعيني لهذا الهم الناصب ومقاساة الليل البطيء الكواكب حتى كأن راعيها ليس بآيب.
الإعراب:
قوله: "كليني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "لِهَمٍّ": جار ومجرور يتعلق به
و "ناصب" بالجر صفته، وقوله: "يا أميمة": معترض بين الصفة والموصوف، قوله: "وليل" بالجر معطوف على قوله: "لهمٍّ"، وقوله: "أقاسيه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في موضع الجر على أنها صفة لليل، وقوله: "بطيء الكواكب": كلام إضافي [مجرور] 1؛ لأنه صفة لليل بعد صفة، وقدم النعت بالجملة على النعت بالمفرد وهو جائز، قال اللَّه تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 155] فقدم الوصف بالجملة وهو ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على ﴿مُبَارَكٌ﴾ وهو مفرد.
فإن قيل: إن ليلًا نكرة، وبطيء الكواكب معرفة بإضافته إلى ما فيه الألف واللام.
قلت: تلك الإضافة في نية الانفصال لأنها من باب الحسن الوجه، والتقدير: بطيء كواكبه؛ كما تقول: مررت برجل حسن الوجه، والتقدير: حسن وجهه.
فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا أميمة" حيث جاءت بفتح التاء؛ كما يقال في طلحة: يا طلحةَ بفتح التاء، وذلك كله بعد الترخيم، والأصل فيه أن يقال: يا طلحَ بالفتح، وطلحُ بالضم، ويا طلحةُ بضم التاء، وقد سمع وجه رابع وهو: يا طلحةَ بالفتح، وعلى هذا جاء قول النابغة: يا أميمةَ بالفتح.
واختلفوا فيه فقيل: هو مقرر على أصل النادى ولم ينون لأنه غير منصرف 2، وقيل: هو مبني على الفتح لأن منهم من يبني النادى المفرد على الفتح؛ لأنها حركة تشابه حركة الإعراب 3 فهو نظير: لا رجل في الدار 4.
وذهب أكثرهم إلى أنه مرخم فصار في التقدير: يا أميم، ثم أدخلت فيها الهاء غير معتد بها، وفتحت لأنها وقعت موقع ما يستحق الفتح وهو ما قبل هاء التأنيث 1، ولأبي علي هاهنا قولان:
أحدهما: أن الهاء زائدة ففتحت إتباعًا لحركة الميم.
والثاني: أنها أدخلت بين الميم وفتحها، فالفتحة التي في الهاء هي فتحة الميم، ثم فتحت الميم إتباعًا لحركة الهاء.
فافهم 2.