الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين
3، 4 بَدَتْ فِعْلَ ذِي وُدٍّ فلمَّا تَبعْتُها... تَوَلَّتْ وبَقَّتْ حَاجَتي في فُؤاديا وحلَّتْ سَوَادَ القلب لا أَنَا بَاغِيًا... سِواهَا وَلَا في حبِّها مُتَراخِيا أقول: قائلهما هو النابغة الجعدي الصحابي - رضي الله تعالى عنه - وقدر ترجمناه فيما مضى في شواهد المعرف باللام 5، وهما من قصيدة يائية من الطويل، وبعدهما قوله: 3 - أُتِيحَتْ لَهُ والغمُّ يَحْتضِرُ الفَتَى... ومنْ حَاجَة الإنسانِ ما لَيْسَ لَاقِيَا 4 - فَلَا هِيَ تَرْضَى دُونَ أَمْرَدَ نَاشِيءٍ... ولا أستطيعُ أَنْ أُعِيدَ شَبَابِيَا 5 - وَقَدْ طَال عَهْدِي بِالشَّبَاب وظِلِّهِ... ولاقيتُ أيَّامًا تُشِيبُ النَّواصِيَا 6 - وَلَوْ دَامَ منْها وَصْلُها ما قَلَيْتُها... ولكِنْ كَفَى بالهجْرِ للحبِّ شافِيَا 7 - وما رَابَها من رِيبة غَيرَ أَنَّها... رَأَتْ لمتي شَابَتْ وشَابَ لَدّاتيا 8 - فَلا زَال يَسْقِيها ويَسْقِي بَلَادَها... من الْغَيثِ زَخَار يسيحُ الغزاليا12
9 - ولَكِنْ أَخُو العلياءِ والجودُ مَالِكٌ... أقَامَ على عَهْدِ النَّوى والنَّصَافِيا
10 - فَتًى كَمُلَتْ خيراتهُ غَيرَ أَنَّهُ... جوادٌ فَما يُبقي من المالِ بَاقِيا
11 - فَتًى تَمّ فيه ما يَسُرُّ صَدِيقَهُ... عَلَى أَنَّ فيهِ مَا يَسُوءُ الْأَعَادِيَا
وهذان البيتان مختاران ولم يورد أبو تمام في حماسته من هذه القصيدة غيرهما 1.
3 - قوله: "أتيحت" أي: قد رقم، قوله: "والغَمُّ" ويروى: والهم.
5 - قوله: "وظله" وتروى: وطِيئهُ.
6 - قوله: "ما قَلَيْتُها" بالقاف؛ أي: ما أبَغَضْتُهَا.
7 - قوله: "وما رابها" من قولك: رابني فلان إذا رأيت منه ما يُرِيبُك وتكرهُه، وهذيل تَقُول: رابَنِي فلان، وأصله من الريب وهو الشك، قوله: "لمتي" بكسر اللام وتشديد الميم، وهو الشعر الَّذي يجاور شحمة الأذن، فإذا بلغت النكبين فهي جمة، وتجمع على لمم ولمام.
8 - قوله: "زخار": من زخر الوادي إذا متد جدًّا وارتفع، يقال: بحر زاخر وزخار، قوله: "يَسِيحُ": من أساح، ؤلاثيه: ساح الماء يسيح سيحًا إذا جرى على وجه الأرض، و"العزالي": جمع عزلاء وهي فم المزادة من الأسفل.
9 - قوله: "والنوى" بفتح النون مقصور وهو البُعد.
الإعراب:
قوله: "بدت": فعل [وفاعل] 2؛ أي: ظهرت المحبوبة، ويروي: دنت؛ أي: قربت، قوله: "فعل ذي ود": نصب بنزع الخافض أي كفعل ذي ود.
والمعنى: فَعَلَتْ معي فعل ذي محبة ومودة، قوله: "فلما": ظرف بمعنى حين، وجوابه قوله: "تولت"، قوله: "وبَقت" بتشديد القاف؛ وهو عطف على قوله: "تولت" وهو فعل وفاعله مستكن فيه، "وحاجتي": كلام إضافي مفعوله، ويروى: وَخَلتْ حاجتي.
قوله: "في فؤاديا": يتعلق بقوله: "بقت"، وأصله: في فؤاديْ -بسكون ياء المتكلم، فلما حركت للضرورة أشبعت فصار: فؤاديا، قوله: "وَحَلَّتْ": عطف على قوله: "وبقت" وهو فعل وفاعل وهو الضمير المستتر فيه، وقوله: "سواد القلب" مفعوله، أي: في سواد القلب، وسواد القلب:
حبته، وكذلك أسوده وسوداؤه وسويداؤه.
قوله: "لا أنا "كلمة لا بمعنى ليس "وأنا": اسمه، و"باغيًا": خبره، وهو من البغي وهو الطلب، قوله: "سواها": كلام إضافي مفعول لـ "باغيًا"، قوله: "ولا في حبها": عطف على قوله: "لا أنا باغيًا" قوله: "متراخيًا": خبر لا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لا أنا باغيًا" حيث عمل لا بمعنى ليس في المعرفة وهو شاذ، وقد ذهب إليه أبو الفتح في كتاب التمام وابن الشجري أيضًا (1).
وقد أجيب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن تجعل "أنا" مرفوعًا بفعل مضمر "وباغيًا" نصب على الحال تقديره: لا أرى باغيًا؛ فلما أضمر الفعل برز الضمير وانفصل.
والثاني: أن يُجعل "أنا" مبتدأ والفعل المقدر بعده خبرًا ناصبًا "باغيًا" على الحال، ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه، ونظائره كثيرة كالحال السادة مسد الخبر.
ويروى: لا أنا مبتغي سواها ولا عن حبها متراخيًا، فعلى هذه الرواية (لا) أيضًا معملة، ولكنه سكن ياء مبتغي للضرورة؛ كما في قوله (2): "كفى بالنأي من أسماء كافي "وأصله: كافيًا (3).