المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد العاشر

5, 6 10 / ظقه ما أنْتَ بِالحَكَيم التُّرْضَى حُكُومَتُهُ... ولا الأَصِيلِ ولا ذِي الرَّأيِ والجَدَلِ أقول: قائله هو الفرزدق، واسمه همام، وقيل هميم "بالتصغير" ابن غالب بن صعصعة [ابن ناحية] 7 بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، واسمه: "بحر بن مالك"، واسمه: عرف 8 بالراء، سمي بذلك لجوده -ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة 9 التميمي المعروف بالفرزدق؛ الشاعر المشهور صاحب جرير.
وكان أبوه غالب من جلة قومه وسراتهم، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس، وكان من الكرم على جانب عظيم، وكان جده صعصعة بن ناجية عطم القدر في الجاهلية1234

واشترى ثلاثين موؤودة، وفي ذلك قال 1 الفرزدق 2: وجدي الذِي مَنَعَ الوَائِدَاتِ... وَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوْأد وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وقد ذكره أبو عمر في كتاب الاستيعاب 3 في جملة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. وكان الفرزدق يكنى بأبي فراس، وهو شاعر إسلامي لقي علي بن أبي طالب 4 وروى عنه، وعن أبي هريرة، والحسن بن علي، وابن عمر 5 - رضي اللَّه [تعالى] 6 عنهم -. وهو في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين 7 وهم جرير والفرزدق والأخطل والراعي 8، وكان على فضله وتقدمه يروي للحطيئة 9 كثيرًا، وكان الحطيئة راوية زهير 10، وزهير راوية أوس بن حجر 11 وطفيل 12 الغنوي جميعًا، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة وعمره قد ناهز مائة سنة.

والفرزدق في الأصل [قيل] 1: قطع العجين، واحدتها فرزدقة، لقب بذلك؛ لأنه كان جهم الوجه، وقيل: لقب به لغلظه 2 وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء وهي الفرزدقة، والقول الأول أصح؛ لأنه أصابه جدري في وجهه ثم برئ منه فبقي وجهه جهمًا متغضبًا 3، ويروى أن رجلًا قال له: يا أبا فراس كأن وجهك أحراح مجموعة، فقال: تأمل هل ترى فيها حر أمك، والأحراح: جمع حرح؛ وهو الفرج فحذفت في المفرد حاؤه الثانية فبقي حرًّا، ومتى جمعت عادت الحاء؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها 4، وقبل البيت المذكور بيت آخر هو قوله 5: يا أرغم الله أنفًا أنت 6 حامله... يا ذا الخنا ومقال الزور والخَطل والأصل في ذلك ما حدثه الكلبي أن رجلًا من بني عذرة دخل على عبد الملك بن مروان 7 يمدحه، وعنده جرير والفرزدق والأخطل فلم يعرفهم الأعرابي، فقال له عبد الملك: هل تعرف أهجى بيت في الإسلام؟، قال: نعم، قول جرير 8: فَغُضِّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ... فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابًا فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير 9: أَلَسْتُمْ خَيرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا... وَأَنْدَى الْعَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ فقال: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قالته العرب في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير 10: إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ... قَتَلْنَنَا ثُمَّ لم 11 يُحْيِينَ قَتْلانا فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرًا؟ قال: لا والله، وإني لرؤيته مشتاق، فقال: هذا جرير،

وهذا الفرزدق، وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول 1: فحيا الإله أبا حزرة... وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به... ودق خياشمه الجندل فأنشد الفرزدق: يا أرغم الله أنفًا.......................... إلخ 2 البيتين ثم أنشد الأخطل 3: يا شَرَّ مَنْ حَمَلَتْ سَاقٌ عَلَى قَدَمٍ... مَا مثلُ قَولكَ في الأقْوامِ يُحْتَمَلُ إنَّ الحكُومَةَ لَيسَتْ فيِ أبِيكَ ولا... فيِ مَعْشَرٍ أنتَ مِنهم إنَّهُمْ سُفُلُ فقام جرير مغضبًا وهو يقول 4: شَتَمْتُمَا قَائِلًا بالحق مُهْتديًا... عِنْدَ الخليفةِ والأقوالُ تَنْتضِلُ 5 أتشتمان شَفاهًا خَيْرَكُمْ حَسَبًا... ففيكما الأوهيان 6 الزورُ والخطل شَتَمْتماهُ على رَفْعي وَوَضْعِكُما... لا زِلْتُمَا في سِفَال أيُّها السُّفُلُ ثم وثب فقبَّل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة عشر ألفًا، فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي، فقبض ذلك كله.
والبيت المستشهد به من البسيط، وهو من الدائرة الأولى، وهي دائرة المختلف المشتملة على: الطويل والمديد والبسيط، وأصله فيها: مستفعلن فاعلن أربع مرات، وله ثلاثة أعاريض وستة أضرب، وهو من العروض الأولى المخبونة 7 والضرب الأول المخبون، وقافيته من المتراكب، وهو ما بين ساكنيه ثلاث حركات، وسمي بهذا الاسم؛ لأن الحركات توالت فيه فركب بعضها بعضًا 8.

قوله: "يا أرغم الله" المنادى فيه محذوف تقديره: يا قوم أرغم اللَّه أنفًا، أي: ألصقه بالرغام بفتح الراء وهو التراب، و "الخنا" الفحش، والخطل: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة؛ الفاسد المضطرب، وقد خطل في كلامه بالكسر خطلًا، وأخطل؛ أفحش.
قوله: "بالحكم" بفتح الحاء والكاف، وهو الذي يحكمه الخصمان ليحكم 1 بينهما, قوله: "ولا الأصيل" أي: ولا الجيد 2، يقال: فلان لا أصل له ولا فصل، قال الكسائي 3: الأصل الحسب، والفصل: اللسان.
قوله: "ولا ذي الرأي" ولا صاحب الرأي، والجدل بفتحتين شدة الخصومة، وهو اسم من جادله إذا خاصمه، مجادلة وجدالًا.
الإعراب: قوله: "ما" للنفي، و "أنت" مبتدأ، وخبره, قوله: "بالحكم الترضى حكومته" والباء فيه زائدة للتأكيد، والخطاب لذلك الأعرابي الذي هو من بني عذرة، وقد ذكرناه.
وقوله: "الترضى حكومته" جملة فعلية في محل الرفع؛ لأنها صفة لقوله "بالحكم" وَالحكم مرفوع 4 تقديرًا لأنه خبر، ويجوز أن يكون في محل الجر باعتبار الظاهر؛ لأن الخبر في الظاهر مجرور بالباء، و "الترضى" على صيغة المجهول، و "حكومته" مرفوع بها.
قوله: "ولا الأصيل" عطف على قوله: "بالحكم" أي: ولا أنت بالأصيل ولا بذي الرأي ولا بذي الجدل.
الاستشهاد فيه: في دخول الألف واللام في الفعل المضارع تشبيهًا له بالصفة؛ لأنه مثلها في المعنى، وهذا ضرورة عند النحويين 5 وقال ابن مالك: "ليس" 6 بضرورة لتمكن الشاعر من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته، فيدخل الألف واللام في اسم المفعول 7، قلت: وهذا الذي

قاله ابن مالك منقول عن سيبويه (1)، ثم عن ابن السراج، وليس هو القائل من ذاته، ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا سكنت الياء من المرضي ليستقيم الوزن فافهم.
وقال الأخفش: هي موصولة وليست للتعريف، كأنها لما كانت بمعنى الذي وصلت بصلتها (2). وقال ابن عصفور (3): ومنهم من ذهب إلى أن (أل) ها هنا مبقاة من الذي، وهو مردود؛ لأنها لو كانت كذلك لجاز أن يقع في صلتها الماضي كما جاز في صلة الذي، فلما اختصت بالفعل الشبه للوصف وهو المضارع دل على إبهامه.

جارٍ التحميل