الشاهد السادس والعشرون بعد الثلاثمائة
2، 3
دُرِيتَ الوَفِيّ العهدَ يا عُرْوَ فاغتَبطْ... فَإنَّ اغْتِبَاطًا بالوَفَاءِ حَمِيدُ
أقول: هو من الطويل.
قوله: "دريت الوفي" على صيغة المجهول، من درى يدري إذا علم، قوله: "فاغتبط" بالغين المعجمة؛ من الغبطة وهي أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه وليس بحسد 4، تقول منه: غبطه بما نال أغبطه، من باب: حسب يحسب، غبطًا وغبطةً فاغتبط هو؛ كقولك: منعته فامتنع وحبسته فاحتبس، ويقال: الغبطة: حسن الحال، قوله: "حميد" يعني: محمود.
الإعراب:
قوله: "دريت": يقتضي مفعولين، الأول: هو التاء التي نابت مناب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: "الوفي".
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الوفي حالًا؟
قلت: لا يجوز لتعريفه، ويجوز في "العهد" الخفض بالإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول به والرفع على الفاعلية، وتقدير الضمير أي: العهد منه أو إنابة اللام عنه أي: عهده، وأرجحها الخفض وأضعفها الرفع، قوله: "يا عرو" منادى مرخم؛ أي؛ عروة، قوله: "فاغتبط": جملة من الفعل والفاعل وهو أنت المستتر فيه، وهو في الحقيقة جواب شرط محذوف؛ أي: إذا أُعلمت وفي العهد فاغتبط.
قوله: "فإن اغتباطًا" الفاء للتعليل، و "اغتباطًا" اسم إن، وخبره قوله: "حميد"، وقوله: "بالوفاء" يتعلق به أي: بوفاء العهد، يعني: الوفاء مطلوب محمود؛ لأنه يحث على الازدياد منه،1
ولأن رؤية النعمة أدعى إلى الشكر عليها؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، ولا شك أن الوفاء بالعهد من فضل الله -سبحانه- ورحمته بعبده، فالاغتباط به واجب أو مندوب لورود الأمر به.
الاستشهاد فيه:
على أن: "درى" بمعنى علم يقتضي مفعولين، وله استعمالان في الكلام:
أغلبهما: أن يتعدى بالباء؛ نحو: دريت بكذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: 16]، وإنما تعدى إلى الضمير بسبب دخول همزة النقل عليه.
وأندرهما: أن يتعدى إلى اثنين بنفسه؛ كما في البيت المذكور (1).