الشاهد السادس والخمسون بعد المائتين
2، 3
فَإنَّك مُوشِكٌ أَنْ لا تراها... وتَعْدو دُونَ غَاضِرةَ العَوادِي
أقول: قائله هو كثير بن عبد الرَّحْمَن يتشبب بغاضرة وهو اسم جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -.
وهو من قصيدة دالية من الوافر.
وكان السبب في ذلك أن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج، وهو يومئذ خليفة وهي زوجته فأذن لها فقدمت مكة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنًا، وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعًا أن يذكرها أو من معها أحد منهم، فبعثت أم البنين إلى كثير، وإلى وضاح اليمن أن انسبالي، فأما وضاح اليمن فإنَّه صرح بها فقتله الوليد، وأما كثير فإنَّه أعرض عنها، وشبب بجاريتها غاضرة -بالغين والضاد المعجمتين، فقال 4:
1 - شَجَا أَظْعانُ غَاضِرَةَ العَوَادِي... بغَيرِ مَشُورة عَرَضًا فُؤَادي
2 - أَغَاضِرَ لَوْ شهِدَتِ غَداةَ بنْتُمْ... جُنُوءَ العَادياتِ عَلَى وسَادي
3 - أَوَيْتِ لِعَاشِقِ لَم تَشْكمِيهِ... نَوافِذُهُ تَلذَّعُ كالزِّنَادِ
4 - وقال النَاصِحُونَ تَحَل منها... ببَذْلٍ قَبْلَ شِيمَتَها الجمادي
5 - فإنَّك مُوشِكٌ........................ إلى آخره
6 - فَأَسْرَرْتُ النَّدامَةَ يوم نَادَىَ... برَدّ جِمَالِ غَاضِرَةَ المنُادي
7 - تَمَادَى البُعْدُ دونَهُمُ فأمْسَتْ... دُمُوعُ العيِن لَجَّ بِهَا التَّمادِي1
1 - قوله: "شجا": من الشجو وهو الهم والحزن، و"العوادي" بالعين المهملة: عوائق الدهر.
2 - قوله: "أغاضر" منادى مرخم يعني: يَا غاضرة، قوله: "بنتم": من البين؛ وهو الفارقة، قوله: "جنوء" من جنأ على كذا -بالجيم والنون والهمز يجنأ بالفتح فيهما جنوأً إذا أكب، ومنه الحديث 1: "فرأيت الرَّجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة".
3 - قوله: "أويت": جواب لو شهدت؛ أي: رثيت ورفقت، قوله: "لم تشكميه" أي: لم تجازيه؛ من الشكم -بضم الشين المعجمة وهو الجزاء، فإذا كان العطاء ابتداء فهو الشكد بالدال تَقُول منه: شكمته؛ أي: جزيته، والشكم -بفتح الشين مصدر وكذلك الشكد بالفتح، قوله: "نوافذه": ما نفذ إلى قلبه، قوله: "تحل منها" بالحاء المهملة؛ أي: أصب منها، يقال: ما حليت منه بشيء، ومنه حلوان الزاقي، وفي شرح الكافية تخل- بالخاء المعجمة، وعنها بدل منها ولا معنى لها ها هنا 2.
5 - قوله: "موشك": اسم فاعل من أوشك، وأصله من الوشك وهو السرعة، يقال: عجبت من وشك ذلك الأمر؛ أي: سُرْعَتَه، ويقال: وشكان ذَا خُرُوجًا؛ أي: عجلان، ووشك المين؛ أي: سُرْعَة الفراق، قوله: "وتعدو دون غاضرة العوادي" أي: تصرف عنها الصوارف، وقد ذكرنا أن العوادي عوائق الدهر وموانعه.
الإعراب:
قوله: "فإنك" الكاف اسم إن و"موشك": خبره، و"أن لا تراها": خبر موشك، قوله: "وتعدو": فعل مضارع، و"العوادي": فاعله، و"دون": نصب على الظرف أضيف إلى غاضرة، والجملة في محل النصب على الحال.
الاستشهاد فيه:
قوله: "فإنك موشك" حيث استعمل اسم الفاعل من أوشك وهو نادر قليل 3.