الشاهد السادس والخمسون بعد المائة
2, 3 أَكُلُّ عَامٍ نَعَم تَحْوونَهُ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَذْبَحُونَهُ أقول: قائله هو صبي من بني سعد، وبعده: 2 - أَرْبَابُهُ نُوكَى فَلَا يَحْمُونَهُ... وَلا يُلاقُونَ طِعَانًا دُونَهُ 3 - وَأنعم الأبْنَاءِ تَحْسَبُونَهُ... هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لما تَرْجُونَهُ وقد قيل: إن اسم الصبي قيس بن الحصين الحارثي، وأصل هذا أن مذحجًا ورئيسهم عبد يغوث بن صلاة اجتمعوا وأقبلوا إلى تميم، فبلغ ذلك بني سعد والرباب ورئيس بني سعد قيس بن عاصم المنقري، ورئيس الرباب النعمان بن جساس -بكسر الجيم وتخفيف السين المهملة، وليس في العرب جساس -بكسر الجيم غير هذا، واستعدوا للحرب وهم على الكلاب -بضم الكاف وتخفيف اللام؛ اسم ماء، فصبحهم مذحج وأغاروا على النعم فطردوها، وجعل رجل يرتجز ويقول 4: في كل عام نَعَمٌ تَنْتَابُهُ... على الكُلَابِ غُيِّيًا أربَابُهُ فأجابه غلام من بني سعد في النعم على فرس له: عَمَّا قَلِيلٍ سَتُرَى أَرْبَابَهُ... صَلْبَ القناةِ حازمًا شَبَابَهُ 5 على جياد ضمر غيابه.............................. فأقبلت 6 سعد والربابُ إلى القوم فقال صبي منهم حين دنا من القوم:1
أَكُلُّ عَامٍ نَعَم تَحْوونَهُ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنتجونَهُ
إلى آخره، فلم يلتفتوا إليهم واستقبلوا النعم من قبل وجوهها فجعلوا يصرفونها بأرماحهم، واختلط القوم، واقتتلوا قتالًا شديدًا يومهم، حتَّى إذا كان آخر النهار قُتِل النُّعمان بن جساس، قتله رجل من أهل اليمن، كانت أمه من بني حنظلة، يقال له: عبد الله بن كعب، وهو الذي رماه فقال للنعمان حين رماه: خذها وأنا ابن الحنظلية، فقال: ثكلتك أمك، رُبّ حنظلية قد تخاطبني 1، فذهبت مثلًا فباتوا على القتال، فلما أصبحوا غدوا على القتال، فآخر الأمر قويت بنو سعد والرباب على مذحج فهزموهم أفظع هزيمة، وأخذوا أموالهم وقتلوا منهم رجالًا وسبوا نساءً 2.
قوله: "نعم" بفتحتين؛ واحد الأنعام، وهو المال الراعية، وأكثر ما تقع على الإبل والبقر، قوله: "تحوونه": من حوى يحوي إذا جمع، قوله: "يلقحه": من الإلقاح، يقال: ألقى الفحل الناقة، والريحُ السحابَ.
قوله: "وتنتجونه": من النتيج، لا من الإنتاج ولا من النتاج، يقال: نُتِجت الفرس أو الناقة - على بناء ما لم يسم فاعله، تنتج نتاجًا وأنتجها 3 أهلها نتجًا، وأنتجت الفرس إذا حان نتاجهما، وقال يعقوب: إذا استبان حملها، وكذلك الناقة فهي نتوج، ولا يقال: منتج 4.
والمعنى: أتحوون كل عام نعمًا لقوم ألقحوه وأنتم تنتجونه في حيكم، قوله: "أربابه" أي: أصحابه، و"نوكى" أي: حمقى، وهو جمع أنوك؟ كأحمق يجمع على حمقى، وهما متماثلان وزنًا ومعنى.
الإعراب:
قوله: "أكل عام" الهمزة للاستفهام الإنكاري، وقوله "نعم": مبتدأ، وخبره مقدمًا قوله: "كل عام"، وهو ظرف زمان، قوله: "تحوونه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، في محل الرفع على أنَّه صفة للنعم، والضمير المنصوب في "تحوونه" يرجع إلى النعم، لا يقال: [النعم] 5 مؤنث فكيف ذكر الضمير؟ لأن النعم ليس بمؤنث، بل هو اسم مفرد مذكر، قال الفراء: النعم مذكر لا مؤنث 6، قوله: "يلقحه قوم" أي: يلقح النعَم قومُ، وقوم: فاعل يلقح، والجملة في محل الرفع على أنها صفة للنعم، وكذلك قوله: "وتنتجونه".
الاستشهاد فيه: في قوله: "أكُلُّ عَام نَعَم" وهو وقوع ظرف الزمان وهو قوله: "كل عام" خبرًا عن الجثة وهو "نعم" وهذا لا يجوز إلا بالتأويل، وتأويل هذا أنَّه محمول على الحذف، تقديره: أكل عام حدوث نعم، والحدوث لكونه مصدرًا، جاز وقوع الزمان خبرًا عنه (1)، وقدره ابن الناظم: أكل عام إحراز نعم (2)، وقدره بعضهم: أكل عام نهب نعم (3)، والأحسن: أن يكون نعم فاعل الظرف (4) لاعتماده، فلا مبتدأ ولا خبر، ومع هذا فلا بد من التقدير -أَيضًا - لأجل المعنى، لا لأجل المبتدأ؛ إذ الذي يحكم له بالاستقرار هو الأفعال لا الذوات، فافهم (5).