الشاهد السادس عشر
1, 2
16 / ظقهع بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمِ... وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ
أقول: قائله هو رؤبة 3، وهو من الرجز المسدس.
قوله: "بأبه اقتدى عدي" أراد به عدي بن حاتم الطائي، وهو صحابي جليل، وهو عدي بن حاتم بن عدي بن سعيد بن الحشرج بن امرئ لقيس بن عدي بن أخرم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن غوث بن طيء الطائي.
وفد على النبي - عليه السلام - سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر فأسلم، وكان نصرانيًّا 4، ولما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم على أبي بكر - رضي الله عنه - 5 في وقت الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام ولم يرتد وثبت قومه معه، وكان جوادًا شريفًا في قومه معظمًا عندهم وعند غيرهم، حاضر الجواب، شهد فتح العراق ووقعة القادسية ووقعة مهران، ويوم الجسر مع أبي عبيدة - رضي الله عنه - وغير ذلك.
وكان مع خالد بن الوليد - رضي الله عنه - 6 لما سار إلى الشام، وشهد معه بعض الفتوح، توفي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة، قيل: مات بالكوفة أيام المختار 7، وقيل: مات بِقَرقِيسْيَا، والأول أصح.
وأما أبوه حاتم بن عدي فهو الموصوف بالجود الذي يضرب به المثل، وكان يكنى أبا سفانة، وكانت له مآثرُ وأمورٌ عجيبة مستغربة، ولكنه لم يقصد بها وجه اللَّه تعالى والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة.
وأخرج البزار 1 في مسنده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال ذُكر حاتم عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ذاك أراد أمرًا فأدركه" 2، والمعنى أن عدي بن حاتم اقتدى بأبيه حاتم الطائي في الجود والكرم فمن يشابه أباه أو يحاكيه في صفاته فما ظلم في هذا الاقتداء؛ لأنه أتى بالصواب ووضع الشيء في محله، والظلم: وضع الشيء في غير محله.
وهذا البيت نظم فيه الشاعر المثل الثائر: "مَن يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ" 3 واختلفوا في معنى "فما ظلم" في المثل، فقيل: فما وضع الشبه في غير موضعه، وقيل: فما ظلم أبوه حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، وقيل إنما الصواب: فما ظلمت، أي: فما ظلمت أمه، أي: لم تزن بدليل مجيء الولد مشابهًا أباه.
قاله اللحياني، ويضعف هذين القولين أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ فلا بد في الغالب من ضمير يعود من الجزاء إليه 4، وهذا البيت يرد قول اللحياني.
الإعراب:
الباء في قوله: "بأبه" تتعلق بقوله: "اقتدى"، وكذا قوله: "في الكرم" قدم الظرف للاختصاص، أي: لم يقتد في الكرم إلا بأبيه.
قوله.
"ومن يشابه أبه"، كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء بتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في خبره، وهو قوله: فما ظلم، وقوله: "أبه": منصوب بقوله: يشابه الذي هو صلة الموصول.
فإن قلتَ: (فمن يشابه) قد روي بالفاء وبالواو، فما حكمهما؟
قلتُ: أما الواو فوجهه ظاهر، وأما الفاء فإن صح فوجهه أن يكون للتعليل 5.
الاستشهاد فيه: هو أن الأب قد استعمل فيه في الموضعين بحذف اللام معربًا بالحركات، فهذا لغة بعض العرب (1)، وعلى هذه اللغة يقال في التثنية: أبان، وفي الجمع أبون، ولكن أكثر الاستعمال فيه أن يكون بالحروف، وقد يقال: إن الأصل أبيه وأباه فحذفت الياء والألف للضرورة (2).