المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد السابع والأربعون بعد الأربعمائة

الشاهد السابع والأربعون بعد الأربعمائة

5، 6 ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا............................... أقول: قائله هو [الأعشى] 7 أعشى بني قيس، واسمه: ميمون بن قيس، وتمامه 8: ................................ وبِتَّ كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدًا وهو من قصيدة قالها الأعشى في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان خرج إليه في الهدنة التي كانت بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين قريش في صلح الحديبية يريد الإسلام؛ فبدأ بمكة، فلقيه أبو سفيان، فسأله عن وجهه الذي يريد، فقال: أريد محمدًا، قال: إنه يحرم عليك خصالًا كلها لك موافق.
قال: ما هي؟ قال: الخمر والزنا والقمار.1234

قال: أما الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منها وطرًا، وأما القمار فلعلي أصيب منه خلفًا.
فقال له أبو سفيان: هل لك إلى خير من هذا؟، قال: بيننا وبينه هدنة، فترجع عامك وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضًا عن رحلتك، وإن ظفر هو 1 أتيته حينئذ.
وانطلق به أبو سفيان إلى منزله وجمع أصحابه، وقال: هذا إلأعشى قد عرفتم شعره، ولئن وصل إلى محمد لتصيّرنّ عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف إلى أهله، فلما كان بقاع منفوحة قرية من قرى اليمن رمى به بعيره فقتله.
وذكر محمد بن حبيب في شرح شعر الأعشى 2، وقال: سمع الأعشى قراءة الكتب وأقبل حتى أتى مكة، وقال هذا الشعر -أعني: القصيدة التي يأتي ذكرها الآن، يمتدح ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونزل على عتبة بن ربيعة، فسمع به أبو جهل فأتاه في فتية من قريش، وأهدى إليه هدية، ثم سأله: ما جاء بك؟ قال: [جئت] 3 إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - لأني كنت سمعت الكتب لأنظر ماذا يقول؟ وما يدعو إليه؟، فقال له أبو جهل: إنه يحرم عليك الأطيبين: الخمر والزنا.
فقال: لقد كبرت وما لي في الزنا [حاجة] 4، وأما الخمر، فقد أصبت منها غرضي، فجعلوا يحدثونه أسوأ ما يكون من الكلام والفعل، ثم قالوا: أنشدنا ما قلت فيه، فأنشدهم هذه القصيدة، فلما فرغ منها قالوا له: لو أنشدتَه هذا لم يقبله منك، فلم يزالوا به حتى صدوه، فخرج من فوره ذلك فأتى اليمامة، فقال: أتركه عامي هذا، فمكث زمنًا يسيرًا، فمات باليمامة، وهذه هي القصيدة 5: 1 - ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا... وبِتَّ كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدًا 2 - ومَا ذاكَ مِن عشقِ النساءِ وإنمَا... تناسَيْتَ بعدَ اليومِ خُلَّةَ مَهْددَا 6

3 - ولكن أرَى الدهرَ الذي هو خاترٌ... إذا أصلحتْ كَفَّايَ عادَ فأفْسَدَا 4 - شبابٌ وشَيْبٌ وافتقَارٌ وثروةٌ... فَللَّه هذا الدهرُ كيفَ تَرَدَّدَا 5 - وما زلتُ أبْغِي المال مذْ كنتُ يافعًا... وَلِيدًا وكَهْلًا حينَ شِبْتُ وأمردَا 1 6 - بِإِتْعَابِي العِيسَ المَراسيلَ تَعْتَدِي... مسافةَ ما بينَ النَّجِيرِ فصَرْخَدَا 2 7 - فإنْ تَسْألِي عني فيا رُبَّ سائلٍ... حَفِيٌّ عن الأعشَى به حيثُ أصْعَدَا 8 - ألا أيُّهذا السَّائلِي أينَ يَمَّمَتْ... فإنَّ لهَا في أهْلِ يثربَ موعدَا 9 - فأمَّا إذا ما أَدْلَجَتْ فَتَرَى لها... رَقِيبَيِنْ جَدْيًا لا يَغِيبُ وَفَرْقَدَا 10 - وفيها إِذا ما هَجَّرَتْ عَجْرَفِيَّةٌ... إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظَّهِيرَةِ أَصْيَدَا 11 - وأذْرَتْ برِجْلَيْهَا النفيَ وراجَعَتْ... يداها خِنَافًا لَيِّنًا غيرَ أحْرَدَا 12 - فما لك عندِي مُشتَكَى مِنْ كَلالةٍ... ولا مِنْ حَفًى حتَّى تُلاقِي محمدَا 13 - نَبِيًّا يرَى ما لا تروْنَ وقولُهُ... أَغَارَ لَعَمْرِي في البلادِ وأنْجَدَا 14 - متَى ما تُنَاخِي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ... تُرِيحِي وَتَلْقَى مِنْ فوَاضِلِهِ ندى 15 - لهُ صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ... وليسَ عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدَا 16 - أجِدَّكَ لمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ محمدٍ... نبيِّ الإِلهِ حينَ أَوْصَى وأشهدَا 17 - إذا أنتَ لمْ تَرْحَلْ بزادٍ منَ التُّقَى... ولاقيتَ بعدَ اليومِ مَنْ قدْ تَزَوَّدَا 18 - ندمتَ على أنْ لا تكونَ كمثلِهِ... وأنكَ لَمْ تَرْصُدْ لِما كانَ أرْصَدَا 19 - فإيَّاكَ والميْتاتِ لا تُطعِمَنَّهَا... ولا تأخُذَنْ سهمًا حَدِيدًا لِتَفْصِدَا 20 - ولَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ... لِعَاقِبَةٍ واللَّه ربُّك فاعبدَا 21 - وصَلِّ على حِيِن العشِيَّاتِ والضُّحَى... ولا تَحْمَدِ الشيطَانَ واللهَ فاحْمِدَا 22 - ولَا السَّائِلَ المَحْرومَ لا تتْرُكَنَّهُ... لِعَاقِبَةٍ ولا الأسيرَ المقُيَّدَا 23 - ولا تسْخَرَنَّ مِنْ بائِسٍ ذي ضرارةِ... ولا تَحْسَبَنَّ المرءَ يومًا مخلَّدَا 24 - ولا تَقْرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّهَا... عليكَ حرامٌ فانكِحَنْ أوْ تأبَّدَا

وهي من الطويل وفيها القبض.
1 - قوله: "ألم تغتمض" أي: ألم تنم، يقال: ما ذقت غمضًا من النوم ولا إغماضًا، قال محمد بن حبيب -رحمه الله- ويروى: ألم تغتمض عيناك ليلك أرمدا............................... والأرمد هو نفسه, قوله: "السليم" بفتح السين المهملة، وهو اللديغ، و "المسهد" بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الهاء المفتوحة، هو السهر الذي لا ينام لئلا يدب السم فيه.
2 - قوله: "خلة مهددا" الخلة بضم الخاء المعجمة [وتشديد اللام] 1، وهي الصداقة، يقال: فلان خلتي، وفلانة خلتي، يعني: خليلي، و "مَهددَا" بفتح الميم: اسم امرأة، وقيل: إن الميم من نفس الكلمة.
3 - قوله: "خاتر" أي: غادر؛ من الختر وهو الغدر، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: 32]، ويروى: خاين من الخيانة.
4 - قوله: "شباب إلخ" يريد: هذه أحوال الدهر وتصرفه، فللَّه كيف يتصرف!؟ وهذا التعجب منه.
5 - قوله: "يافعًا" بالياء آخر الحروف [والفاء، واليافع: فوق المحتلم، والوليد الصبي.
6 - قوله: "العيس" بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف] 2، وفي آخره سين مهملة، وهي البيض من الإبل الصفر الأطراف، وهي ضرب من النجائب، وواحدتها عيساء، و "المراسيل" جمع مرسال، وهي الناقة السهلة السير, قوله: "تعتدي": من الاعتداء وهي المسارعة, قوله: "والنجير" بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء وهو حصن باليمن لقيس بن معدي كرب، ومنه أخذ الأشعث بن قيسر مرثدًا، و "صرخد": قلعة بالشام مشهورة.
7 - قوله: "حفي" بالحاء المهملة والفاء، هو المبالغ في السؤال, قوله: "حيث أصعدا" من الإصعاد وهو إتيانه مكة؛ لأن مكة تهامية وهي أعلى نجد.
8 - و "يثرب" هي المدينة.
9 - قوله: "أدلجت": من الادّلاج وهو سير الليل أجمع، والإدلاج: سير آخر الليل، فأخبر أنها تسير بالفرقدين والجدي وهي مطالع القمر ومنازله.
10 - قوله: "هجّرت" بالتشديد، أي: سارت في الهاجرة حين تضعف الإبل ويقل فيها

النشاط، "والعجرفية": النشاط، و"الحرباء" بكسر الحاء المهملة؛ دويبة؛ كالعظاءة 1 ونحوها إذا اشتد الحر صعدت على جدل فواجهت الشمس حين تغرب، و"الأصيد": البعير الذي به صيد وهو قروح بالمنخرين 2 لا يكاد يضع رأسه.
11 - قوله: "وأذرت برجليها النفيّ" يقال: أذريت الشيء إذا لقيته كإلقائك الحب للزرع، وطعنه فأذراه عن ظهر دابته، أي: ألقاه، والنفيّ بفتح النون وكسر الفاء وتشديد الياء [آخر الحروف] 3، وهو ما تطاير من الحصى من قوائمها, قوله: "خنافًا" بكسر الخاء المعجمة وبالنون وبعد الألف فاء، وهو سرعة قلبها يديها إلى وحشيها، وقال الجوهري: الخناف: لين في أرساغ البعير، تقول منه: خنف البعير يخنف خنافًا إذا سار فقلب خف يديه إلى وحشيه، وناقة خنوف، قال الأعشى: وأنشد البيت المذكور 4. قوله: "أحردا" بالحاء المهملة؛ من الحرد، وهو جسوء يكون في اليدين إذا مشى، فإذا كان الحرد بيد واحدة لم يستو حمله، وإذا كان بيديه جميعًا استوى حمله، و"الجسوء" بضم الجيم والسين المهملة وفي آخره همزة، يقال: جسأت يده من العمل تجسأ جسًأ وجسوءًا إذا صلبت.
12 - قوله: "من كلالة" أي: من في في السير.
13 - قوله: "أغار" أي: صار إلى الغور، و"أنجد" أي: صار إلى النجد.
14 - قوله: "تريحي" أي: تستريحي، يقال: أراح واستراح بمعنى واحد, قوله: "من فواضله": جمع فاضلة وهي الإحسان والإنعام, قوله: "ندا" 5 بفتح النون وهو العطاء.
15 - قوله: "ما تُغِبّ" بضم التاء وكسر الغين المعجمة وفي آخره باء موحدة، يقال: فلان لا يغبنا عطاؤه؛ أي: لا يأتينا يومًا دون يوم، بل يأتينا كل يوم.
16 - قوله: "أجدك" معناه: أبجد منك هذا، ونصبها بطرح الباء، قال أبو عمرو: ومعناه ما لك أجدُّا منك؟ ونصبها على المصدر 6. 23 - قوله: "ابن بائس" أي: فقير ذي ضرارة، أي: حاجة.
24 - قوله: "إِنَّ سرها" أي: جماعها, قوله: "أو تأبدا": من التأبيد وهو التغرب، ومنه قيل للوحش: أوابد لتأبدها.

الإعراب: قوله: "ألم تغتمض" الهمزة للاستفهام على وجه التقرير و "عيناك": كلام إضافي فاعل تغتمض، والخطاب فيه لنفسه يدل عليه البيت الثاني, قوله: "ليلة": نصب بالنيابة عن المصدر على ما يجيء [الآن] 1 - إن شاء الله تعالى -. قوله: "أرمدَا": صفة لموصوف محذوف، أي: مثل اغتماض رجل أرمد، وأصله: ليلة أرمدِ بجر الأرمد للإضافة، ولكن نصب للضرورة ليوافق مسهدًا في الشطر الثاني، والبيت مصرع، وقد يتغير الإعراب عن وجهه في الشعر كثيرًا.
قوله: "وبت" جملة من الفعل والفاعل، [قوله: "] (2) كما بات": الكاف للتشبيه وما مصدرية أي: كبيتوتة السليم مسهدًا، أي: نائمًا؛ فإنه لا ينام إلا اغتماضًا، وانتصاب "مسهدًا" على الحال.
الاستشهاد فيه: في قوله: "ليلة أرمد" حيث نصب ليلة النيابة عن المصدر، والتقدير: اغتماضًا مثل اغتماض ليلة الأرمد، وليس انتصابها على الظرت، ونحوه قول الشاعر 2: وطَعْنَة مُسْتَنْبِلٍ ثَائِرٍ... تَرُدُّ الكَتيبَةَ نِصْفَ النَّهَارِ فإنه لا يجوز نصب نصف النهار على الظرف بل على المصدر، تقديره: ردًّا مقدار رد نصف النهار، فافهم، والله أعلم 3.

جارٍ التحميل