الشاهد السابع عشر بعد الأربعمائة
1، 2
وَقَائِلَةٍ خَوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ...................................
أقول: قائله مجهول لا يعرف، وتمامه:
................................... وَأُكْرُومَةُ الحَيَّينِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا
وهو من الطويل.
قوله: "خولان" بفتح الخاء المعجمة اسم قبيلة، وهي خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقال ابن دريد: "خولان" فعلان من خال يخول، يقال: منه فلان خائل مالي إذا كان حسن القيام على المال.
قوله: "فتاتهم" الفتاة الشابة من النساء كالفتى من الرجال.
قوله: "وأكرومة الحيين" الأكرومة بضم الهمزة من الكرم كالأعجوبة من العجب، وأراد بالحين حي أبيها وحي أمها يعني: كريمة الطرفين.
قوله: "خلو" بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام بمعنى الخلية عن الأزواج، ويقال: هو كناية عن كونها مطلقة.
الإعراب:
قوله: "وقائلة" الواو فيه واو رب، أي رب امرأة قائلة، وقائلة مجرورة بها، قوله: "خولان" بالرفع مبتدأ، وقوله: "فانكح فتاتهم" خبره هكذا يقال ثم يرد عليه أن الفاء لا يصلح دخولها على خبر المبتدأ، ويجاب بأن خولان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هؤلاء خولان.
وقوله: "فانكح فتاتهم" جواب لشرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك فانكح فتاتهم.
وقال أبو سعيد: الجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء نحو: زيد أبوك فقم إليه، فإن كونه أباه سبب وعلة للقيام إليه، وكذلك الفاء في: فانكح 1 تدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم لحسن نسائها وشرفها، وفيه إشارة التي ترتيب الحكم على الوصف، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ﴾ [مريم: 65] على أحد الوجهين ذكرهما صاحب الكشاف 2.
وقال محمد بن يزيد: هذه خولان، وأجاز النصب على إضمار فعل، قال: ولو قلت: هذا زيد فاضربه جاز بجعل زيد عطف بيان أو بدلًا، ولو رفعت خولان بالابتداء لم يجز من أجل الفاء وإنما جاز مع هذا؛ لأن فيها معنى التنبيه والإشارة، فكأنك قلت: من هذه التنبية والإشارة فافعل كذا 3، وكال: جاز النصب على المدح.
قوله: "وأكرومة الحيين" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: "خلو" والجملة في محل النصب على الحال.
قوله: "كما هيا" كلمة ما موصولة وهي مبتدأ وخبره محذوف أي كالحال الذي هي عليه، وإما كافة لحرف الجر، والضمير مبتدأ محذوف الخبر -أيضًا-، وإما زائدة، والضمير المرفوع
وقع موقع الضمير المجرور مثل قولهم: ما أنا كأنت، فيكون المعنى تقول: رب قائلة قالت هؤلاء خولان فانكح فتاتهم فأجبتها كيف أتزوج والحال أن أكرومة الحيين خلو لا زوج لها وهي أولى بأن أتزوجها؟
ويقال في هذا البيت أمور:
أحدها: حذف رب وإبقاء عملها وذلك بعد الواو في غاية الكثرة 1.
الثاني: استعمال مجرور رب غير موصوف وحقه الوصف للإيضاح والتعويض من حذف متعلقها وتمكين التقليل؛ لأن رجلًا من بني تميم أقل من رجل على الإطلاق 2.
وقال علي بن عبد الرحمن الأنصاري 3 في حاشية إيضاح الفارسي: والذي حسن هنا أن لا يجيء الوصف أن ما بعد قائل وقائلة من صلته؛ فالاختصاص حاصل بتلك الصلة، وأن قائلًا وقائلة في الحقيقة صفتان لمجرور رب المحذوف، فلم يخل مجرورها من وصف.
والثالث: حذف المبتدأ؛ لأن التقدير: هذه خولان.
والرابع: حذف الفعل وذلك على رواية من روى: خولان بالنصب وقدره علي بن عبد الرحمن المذكور: أقصد خولان أو أعمد خولان 4.
والخامس: زيادة الفاء، وذلك على قول الأخفش بأنه لا يقدر محذوفًا 5.
والسادس: عطف الطلب على الخبر، وذلك على تقدير المبتدأ في حالة الرفع.
والسابع: قوله: "كما هيا" وفيه عمل ليس هذا محله.
والثامن: إعمال اسم الفاعل المعتمد على موصوف محذوف.
والتاسع: أن رب لا يلزم مضى ما بعدها وإلا لم يجز إعماله.
والعاشر: إقامة الظاهر مقام المضمر لكونه أزيد فائدة، فإن أكرومة الحيين هي الفتاة المشار إليها (1).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فانكح فتاتهم" وذلك أن الفاء لا تدخل في خبر المبتدأ، كما نص عليه سيبويه، فلذلك أول بما ذكرنا من التأويلات فافهم (2).