الشاهد الرابع والستون بعد المائة
2, 3
يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُل عَضُبٍ... فَلَوْلَا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا
أقول: قائله هو أبو العلاء أَحْمد بن عبد الله بن سليمان بن محمَّد بن سليمان بن أَحْمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النُّعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة التنوخي العري اللغوي الشَّاعر التضلع بالفنون من الأدب، صاحب التصانيف الكثيرة، ولكن تكلم فيه العلماء من جهة اعتقاده.
وكان قد عمي من الجدري، ولد يوم الجمعة لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاث مائة بالعرة، وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة 4 سنة، تُوفِّي يوم الجمعة لثلاث بقين من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالعرة، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينًا؛ لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين، وهم لا يأكلون؟ كيلا يذبحوا الحيوان؛ ففيه تعذيب له، وهم لا يدون بالإِيلام مطلقًا في جميع الحيوانات.
والبيت المذكور من أول قصيدة لامية وهي طويلة من الوافر، وهي أول قصائد كتابه المسمى سقط الزند، وأولها هو قوله:
1 - أَعَنْ وَخْدِ القِلَاصِ كَشَفْتِ حَالًا... وَمِنْ عِنْدَ الظَّلامِ طَلَبْتِ مَالا
2 - وَدُرًّا خِلْتِ أَنْجُمَهُ عَلَيهِ... فَهَلَّ خِلْتِهُنَّ بِهِ ذُبَالا
3 - وَقُلْتِ الشمْسُ بِالبَيدَاءِ تِبْرٌ... وَمِثْلُكِ مَنْ تَخَيَّلَ ثُمَّ خَالا1
4 - وَفي ذَوْب اللُّجَينِ طَمعْتَ لَمَّا.. رَأَيْتِ سَرَابَهَا يَغْشَى الرِّمَالا
5 - رَمَاكِ الله مِنْ فُوقِ بَرُوقٍ... من السَّنَوَاتِ تُشْكِلُكَ الإِفَالا
6 - فَقَدْ أَكَثَرْتِ نُقلَتَنَا وَكَانَتْ... صِغَارُ الشهْبِ أَسْرَعَهَا انْتِقَالا
7 - تذَكرُكِ الثَّويةَ من ثُدَيٍّ... ضَلَالٌ مَا أَرَدْتِ بِهِ ضَلَالا
إلى أن قال:
8 - إِذَا بُصِرَ الأَمِيرُ وَقَدْ نَضَاهُ... بِأَعْلَى الجَوِّ ظُن عَلَيهِ آلا
9 - وَدَبَّتْ فَوْقَهُ حُمْرُ المنَايَا... وَلَكِنْ بَعْدَمَا مُسِخَتْ نمَالا
10 - يُذِيبُ الرُّغبُ مِنْهُ كُلّ عَضُبٍ.. فَلَوْلَا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا
11 - وَمَن يَكُ ذَا خَلِيلٍ غَيْرِ سَيفٍ... يُصَادِفُ في مَوَدَّتَهُ اخْتِلالا
12 - وَذي ظَمَإ ولَيسَ بِهِ حَيَاةٌ... تيَقَّنَ طَولَ حَامِلِهِ فَطَالا
13 - تَوَهَّمَ كلَّ سَابِغَةٍ غَدِيرًا... فَرَنَّقَ يَشْرَبُ الحلَقَ الدِّخَالا
1 - قوله: "أعن وخد" الوخد -بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة وفي آخره قال مهملة؛ ضرب من السير، و"القلاص": جمع قلوص، وهي الشابة من النوق، وهي من الإبل مثل الجارية من بني آدم.
2 - و"الذبال" -بضم الذال المعجمة، وهي الفتيلة.
3 - قوله: "بالبيداء" -بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وهي المفازة، و"التبر"- بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة، وهو ما كان من الذهب غير مضروب، قوله: "تخيل" أي: توهم، قوله: "خالا" من خال الشيء يخيل خيلًا ومخيلةً وخيلولةً إذا ظن، وفي المثل: "من يسمع يخل" 1 وهو من باب ظننت وأخواتها.
4 - قوله: "اللجين" -بضم اللام وفتح الجيم؛ وهو الفضة، جاء هكذا مصغرًا كالثريا والكميت.
5 - قوله: "من فوق بروق" الفوق -بضم الفاء: موضع الوتر من السهم، ويجمع على أفواق، و"البروق" -بضم الراء: الشدائد، و"السنوات": جمع سنة، وهي الجدب، و"الإفال"- بكسر الهمزة، جمع إفيل، وهو ولد الإبل، قال الجوهري: الأفال والأفائل: صغار الإبل بنات الخاصِّ ونحوها، واحدها إفيل، والأنثى إفيلة 2.
6 - قوله: "صغار الشهب" -بضم الشين المعجمة؛ وهي كالقمر وعطارد وسيرهما في الفلك أسرع من سير غيرهما.
7 - قوله: "الثوية" -بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وفتح الياء آخر الحروف المشددة، وهي موضع بقرب الكوفة، و"ثدي" -بضم الثاء المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء آخر الحروف، وهو موضع بالشَّام.
8 - قوله: "وقد نضاه" الضمير يرجع إلى السيف فيما قبله، يقال: نضى سيفه؛ أي: سفه، وكذلك انتضاه، و"الآل": الشخص.
9 - وأراد بـ "حمر المنايا" السيوف القاطعة، قوله: "نمالا" بكسر النُّون.
10 - قوله: "يذيب" من أذاب [الشيء] 1 إذابة، والإذابة إسالة الحديد ونحوه من الجوامد، و"الرعب": الفزع والخوف، و"العضب" -بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو السيف القاطع، و"الغمد" -بكسر الغين المعجمة وسكون الميم، وهو غلاف السيف، قوله: "لسالا": فعل ماضٍ من السيلان، والسلام فيه للتأكيد، والألف للإطلاق، ومعناه: إن سيف هذا المدوح تهابه السيوف؛ كما أن الممدوح تهابه الرجال، حتَّى إن السيوف يذوب حديدها، فلولا أن أغمادها تمسكها لسالتُ لذوبانها من فزعها منه.
12 - قوله: "وذي ظمأ" أي: عطش، وأراد به الرمح، و"الطول" بفتح الطاء: مصدر طالت يده بالعطاء طولًا.
13 - قوله: "فرنق": من رنّقت الماء ترنيقًا؛ أي: كدرته، قوله: "الحلق الدخالا" بكسر الدال وتخفيف الخاء المعجمة، والدخال في الورد أن يشرب البعير ثم يرد من العطش إلى الحوض، ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه ما عساه لم يكن يشرب.
الإعراب:
قوله: "يذيب": فعل مضارع، و"الرعب": فاعله، قوله: "منه": حال من الرعب،
و"كل
عضب": كلام إضافي مفعول لقوله: "يذيب"، قوله: "الغمد": مبتدأ، وقوله: "يمسكه": خبره، وقد يقال: إن الخبر محذوف، "ويمسكه": بدل اشتمال على أن الأصل: أن يمسكه، ثم حذف 2 أن وارتفع الفعل، ويقال: يمسكه: جملة معترضة، ويقال: جملة وقعت حالًا من الخبر المحذوف، وفيه نظر؛ لأنهم لا يذكرون الحال بعد لولا فافهم 3، قوله: "لسالا": جواب لولا.
ثم اعلم أن البيت إنما ذكروه للتمثيل لا للاستشهاد؛ لأن المعري لا يحتجُّ بشعره كما ذكره أبو علي الفارسيّ في الإيضاح من أشعار حبيب (1) على وجه التمثيل، ومع هذا لا يحتج بشعره (2) فإذا كان حبيب لا يحتج بشعره وهو أعلى طبقة من المعري، فأحرى أن لا يحتج بشعر المعري.
وجه التمثيل: أنَّه ذكر الخبر بعد لولا؛ فإنَّه في مثل هذا الموضع يجوز ذكر الخبر وتركه؛ فإنَّه لو قال: لولا الغمد لسال، على تقدير: لولا الغمد يمسكه، صح الكلام والمعنى، ولكنه اختار ذكر الخبر دفعًا لإبهام تعليق الامتناع على نفس الغمد بطريق المجاز، وقد خطأ بعضهم أَبا العلاء المعري في هذا؛ حيث أثبت الخبر بعد لولا (3) والمُخَطِّيُّ مُخْطِيٌّ لما ذكرنا.