الشاهد الرابع والأربعون بعد المائتين
3، 4
وَقَدْ جُعَلْتْ قَلُوصُ ابني زيادٍ... من الأكوارِ مَرْتَعُها قَرِيبُ
أقول: هذا البيت من أبيات الحماسة ولم يعزه إلى أحد، وقبله:
فَلَسْتُ بِنَازلٍ إلَّا ألمّتْ... بِرَحْلِي أَوْ خَيَالتُها الكَذُوبِ
وبعده:
كأنَّ لها بِرَحْل القِوْمِ بَوًّا... وَمَا إِنْ طِبُّها إلَّا اللُّغُوبِ
وهي من الوافر.
قوله: "أو خيالتها" يعني: أو خيالها يقال: خيال وخيالة؛ كما يقال: مكان ومكانة وجعلها كذوبًا؛ لأنه لا حقيقة لها، قوله: "قلوص" بفتح القاف وضم اللام المخففة؛ وهي الشابة من النوق بمنزلة الجارية من النساء، وقال العدوي 5: أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثنى فإذا أثنت فهي ناقة وتجمع على قُلص وقلائص 6.
قوله: "ابني زياد" ويروى: ابني سهيل، قوله: "من الأكوار": جمع كور، قوله: "مرتعها" أي: مرعاها قريب.
والمعنى: طفقت لقرب مرتعها من الأكوار؛ يعني: إنها لَمَّا أَعْيَتْ حَطَّ عنها رحلها فرعت قريبًا ولم تبعد، قوله: "بوًّا" بفتح الباء الموحدة وتشديد الواو؛ وهو جلد الحمار يحشى فتعطف عليه12
الناقة إذا مات ولدها، قوله: "اللغوب" بفتح اللام وضم الغين المعجمة؛ وهو التعب والإعياء وهو لغة في اللغوب -بضم اللام، يقال: لغب يلغب لغوبًا من باب فتح يفتح، ولغب بالكسر يلغب لغوبًا لغة فيه ضعيفة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير ويزيد النحوي ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ بفتح اللام.
الإعراب:
قوله: "وقد جعلت" [قد: للتحقيق] 1 وجعل: من أفعال المقاربة يستعمل استعمال كاد ولا يكون خبره إلا مضارعًا مجردًا من أن، وهاهنا جعلت على صيغة المجهول أسندت إلى قلوص، و"القلوص": مرفوع بها، وأضيفت القلوص إلى ابني زياد، قوله: "مرتعها": مبتدأ وخبره قوله: "قريب"، والجملة خبر جعلت، وهذا مما جاء على الندرة، قوله: "من الأكوار" يتعلق بقوله: "قريب"، وذكر بعضهم أن جُعِلَتْ هاهنا بِمَعْنَى طَفِقْتُ ولذلك لا يتعدى 2، و"مرتعها قريب" في موضع الحال؛ أي: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة: المرتع من رحالهم لِمَا بها من الإعياء، وقال أبو العلاء رفعُ قَلوصٍ وجه رديء؛ لأن القائل إذا قال جعلت وهو يريد المقاربة لم يكن بد من لأليانه بالفعل كما قال 3:
جعلت وما بي من جفاء ولا قلى... أزوركم يومًا وأهجركم شهرًا
وعلى ذلك جميع ما يرد، فإذا قال القائل: جعل زيد فعله جميل، ولم يأت بلفظة الفعل فإنما يحمله على المعنى؛ كأنه قال: جعل زيد يجمل، وأحسن من هذا الوجه أن ينصب قلوص، ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكور، وليست جعلت في هذا الوجه في معنى المقاربة، وإنما هي [بمنزلة] 4 صيرت فلا يفتقر إلى فعل، ويكون قوله: "مرتعها قريب" جملة في موضع المفعول الثاني؛ كما يقال: جعلت أخاك ماله كثير 5.
وقال الشلويين: ومنهم من جعل "جعلت" هاهنا بمعنى صيرت، وحذف منها ضمير الشأن، والتقدير: وقد جعلته؛ أي: جعلت الأمر والشأن مرتعها قريب من الأكوار، ومنهم من أجاز أن كون إلغاء جعلت مع تقدمها على حد إجازة أبي الحسن: ظننت عبد الله منطلق، وفيه نظر؛ لأن الإلغاء إنما يجوز في أفعال القلوب لا في أفعال التصيير فافهم 6.
الاستشهاد فيه: في قوله: "مرتعها قريب" حيث وقعت هذه الجملة الاسمية خبرًا لجعلت، على أن الأصل أن يكون خبرها فعلًا مضارعًا، ولكن أصلها: يقرب مرتعها، فأقيمت الجملة الأسمية مقام الفعلية (1) فافهم.