الشاهد الرابع بعد الألف
3، 4
يا دَارَ مَيَّةَ بالْعَلْيَاءِ فالسَّنَدِ... أَقْوَتْ وَطَال عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبَدِ
أقول: قائله هو النابغة الذبياني، وهو أول القصيدة التي يمدح بها النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما بلغه عنه فيما وشى به بنو قريع في أمر المتجردة، وبعده 5:
2 - وَقَفْتُ فِيهَا أُصيلانًا أُسَائِلُهَا... عَيَّتْ جَوَابا وَمَا بالرَّبْعِ من أحدِ
3 - إلَّا الأَوارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُهَا... والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بالمظْلومَةِ الجَلَدِ
وهي إحدى القصائد السبع المعلقات.
1 - قوله: "يا دار مية" إنما قال هذا توجعًا منه لأنه كان معها مقيمًا بها في سرور ونعمة زمن مرتبعهم، ثم انقضى ذلك فجعل يخاطبها توجعًا منه لما رأى من تغيرها، وتذكرًا لما عهده فيها، و "العلياء": ما ارتفع من الأرض، و "السند" بفتح السين المهملة والنون، وهو سند الجبل وهو ارتفاعه حيث يسند فيه؛ أي: يصعد، وإنما جعل الدار بالعلياء والسند، لأنها إذا كانت في موضع مرتفع لم يضرها السيل ولا ينهال عليها الرمل، قوله: "أقوت" أي: خلت12 = عبد بن زياد بن أبيه، وقد ذكر الشارح خمسة منها غير بيت الشاهد، وبيت الشاهد والقصيدة في كثير من كتب الأدب والنحو، ينظر الخزانة (6/ 43)، والحماسة البصرية (1/ 87).
من الناس وأقفرت، وإنما لم يقل: أقويتِ بالخطاب؛ لأن من كلامهم أن يخاطبوا الشيء ثم يتركوا خطابه ويكنوا عنه؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22]، و "السالف": الماضي، و "الأبد": الدهر.
2 - قوله: "وقفت فيها": وصف أنه مر بالديار عشيًّا فوقف عليها وسألها عن أهلها توجعًا منه وتذكرًا، و "الأصيلان": تصغير أصلان؛ جمع: أصيل، وهو العشي، وإنما صغره ليدل على قصر الوقت، قوله: "عيت" أي: عجزت فلم تجبني، و "الربع": منزل القوم.
3 - و "الأواري" بفتح الهمزة؛ محابس الخيل ومرابطها، واحدها آري، قوله: "لأيًا" أي: بطأ، و "النؤي" بضم النون؛ حاجز من تراب حول الخباء لئلا يدخلها السيل، و "المظلومة": الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فجأة، و "الجلد": الأرض الصلبة، والمعنى: ليس في الدار شيء إلا محابس الخيل قد خفي أثرها فلا أتبينها إلا بعد بطئ وجهد.
الإعراب:
قوله: "يا دار مية" يا حرف نداء، ودار مية: منادى مضاف منصوب، قوله: "بالعلياء": محلها النصب على أنها صفة لدار مية، والتقدير: الكائنة بالعلياء، قوله: "فالسند": عطف على العلياء، والفاء بمعنى الواو، قوله: "أقوت": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى دار مية، ومحلها النصب على الحال بتقدير: قد؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: 90] أي: قد حصرت.
قوله: "وطال": فعل، و "سالف الأبد": كلام إضافي فاعله، والجملة عطف على أقوت.
ولم يذكر ابن هشام هذا البيت لأجل الاستشهاد، وإنما ذكره للاحتراز في قوله: اسم الصوت: ما خوطب به ما لا يعقل مما يشبه اسم الفعل، فإن قوله: مما يشبه اسم الفعل احتراز من نحو قوله: "يا دار مية بالعلياء فالسند" 1.