المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الخامس والستون

1، 2 وَقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطِيبُ بِضَغْمَةٍ... لِضَغْمِهِمَاهَا يَقْرَعُ العَظْمَ نَابُهَا أقول: قائله هو المغلس بن لقيط بن حبيب بن خالط بن نضلة الأسدي، جاهلي، هو وأخواه: بعثر 3 ونافع ابنا لقيط شعراء، وهو من قصيدة هائية يرثي بها أخاه أطيطًا ويشتكي من قرينين له يؤذيانه، وقيل: هما أبناء أخيه وهما: مدرك ومرة، وأولها هو قوله: 1 - وَأبْقَتْ لِيَ الأَيَّامُ بَعْدَكَ مُدْرِكًا... وَمُرَّةً والدُّنْيَا قَلِيلٌ عِتَابُهَا 2 - قَرِينَيِن كَالذَّئْبَيِن يَقْتَسِمَانِنِي... وَشَرُّ صَحَابَاتِ الرَّجَالِ ذِئَابُهَا 3 - إِذَا رَأَيَا لِي غَفْلَةً أَسَّدَا بِهَا... أَعَادِي والأَعْدَاءُ كَلِبَيْ كِلابُهَا 4 - وَإِنْ رَأَيَانِي قَدْ بَحَوْتُ تَبَغَّيَا... لِرَجْلِي مُغَوَّاةً هَيَامًا تُرَابُهَا 5 - فَلَوْلا رَجَائِي إِنْ تَئُوبَا وَلا أَرَى... عُقُولَكُمَا إلا شَدِيدًا ذَهَابُهَا 4 6 - سَقَيْتُكُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ شَرْبَةً... يَمُرُّ عَلَى بَاغِي الظَّلامِ شَرَابُهَا 7 - وَقُدْ جَعَلْتُ نَفْسِي تَهُمُّ بِضَغْمَةٍ... عَلَى عَلّ غَيْظٍ يَقْصِمُ العَظْمَ نَابُهَا هكذا رواه أبو عمرو في كتاب: "الحروف" له، وابن الناظم رواه كما رواه سيبويه 5، وأبو علي في الإيضاح 6. وهو من الطويل.
2 - قوله: "قرينين" أي: متقاربين، قوله: "يقتسمانني" أي: يختصمانني ويروى: يصطحبانني، قوله: "ذئابها": جمع ذئب.
3 - قوله: "أسّدا بها" أي أغريا بها، أي بسبب الغفلة، يقال: أسّدته وأوسدته إذا أغريته بالصيد، والواو منقلبة عن الألف.
وأسدت بين القوم أي أفسدت، قوله: "كلبي": جمع كلب

بفتح الكاف وكسر اللام، قال الفراء وغيره: رجل كلب وقوم كلبى إذا أصابهم الكلب، والكلب بفتح اللام؛ الذي لا يبرأ منه 1. 4 - قوله: "تبغيا" أي طلبا، قوله: "مغواة" بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الواو؛ وهي حفرة كالزبية، يقال: من حفر مغواة وقع فيها، وتجمع على مغويات، قوله: "هيامًا" الهيام بكسر الهاء وتخفيف الياءآخر الحروف؛ وهو الرمل اليابس 2، ورواه أبو علي في التذكرة: هيالي ترابها، [قال: وهذا يدل على أن التراب جمع ترب، ولو كان مفردًا لقال: هائل ترابها]، 3، وقال صاحب العين: الهائل والأهيل والهيل من الرمل؛ الذي لا يثبت 4، وضرب ذا مثلًا لكثرة معرفتهما بالشر والتحيل في جلب أنواع الضر.
6 - قوله: "الظلام" بالضم؛ بمعنى الظلم، قال أبو الحجاج 5 وقد يكون جمعًا لظلم؛ كما ذهب إليه أبو علي في التراب أنه جمع ترب، فيلحق بالألفاظ التي جمعت على فُعال، وقد قيل فيه الظلام بكسر الظاء.
وكذا رأيته مكسورًا في نسخة من شعر أبي دؤاد، زعم كاتبها أنه قابلها بنسخة كانت بخط سيبويه [رحمه اللَّه تعالى] 6، وقد قيده صاحب كتاب الموعب 7 عن أبي زيد فقال: فلان يريد ظِلامِي بكسر الظاء وظلامتي وظلمي وأنشد 8: ............................. وسامته العشيرة الظّلاما وقال ابن دريد: الظلام مصدر ظالمه 9 وقال كراع: جمع الظلم ظلام، وأنشد للمثقب 10

العبدي 1: وَهُنَّ عَلَى الظِّلامِ مُطَلِبَاتٍ... قَوَاتِلُ كُلِّ أَشْجَعِ مُسْتَكِينِ وقال ابن يسعون: وقد يكون الظلام لغة في ظلم؛ كلبس ولباس ونحوه، وقد يكون جمع ظلم كما قال كراع، وإن كنت لا أعلم فِعَالًا في جمع فعل إلا في المضاعف في نحو: قِفّ وقِفَاف كما قد يكون الظلام جمع ظلامة وهو أشبه وجوهه.
7 - قوله: "لضغمة" بالضاد والغين المعجمتين، وهي العضة، يكنى بها عن الشدة والصيبة؛ لأن من عرضت له الشدة يعض على يديه، يقال: ضَغَمَتْه الشدة إذا أصابته، ويقال: الضغم هو العض بجميع الفم، ومنه سمي الأسد ضيغمًا، والياء فيه زائدة، قوله: "يقرع العظم" أي يدقه وهذه مبالغة في أنه عضت الشدة عضًّا قويًّا بلغت منتهى ما يبلغ العض وكنى ببلوغ العظم الناب عن ذلك.
وحاصل المعنى: قد رَضِيَتْ 2 نفسي وطابت للشدة التي أصابتني؛ لإصابتها من قصدني بمثلها.
وقال ابن الحاجب 3 في الأمالي: إنه يقول: طابت نفسي للشدة التي أصابتني لوقوع العارض لي في أعظمي 4، وقال شيخ شيخي شمس الدين اليشكري -رحمه الله- في شرحه (اللب) والمعنى: قد جعلت نفسي تطب لضغمتي إياهما ضغمة شديدة تشبه ضغمتهما لي، يعني: إنما تطب نفسي بأن يصيبهما مثل هذه الشدة التي أصابتني 5. الإعراب: قوله: "وقد جعلت" هذه من أفعال المقاربة التي يجب أن يكون خبرها مضارعًا، قوله: "نفسي": اسمها، وقوله: "تطيب": خبرها، قوله: "لضغمة": مفعول تطيب؛ كما تقول طبت بزيد، فاللام بمعنى الباء وليست بمعنى المفعول لأجله؛ لأنه لم يرد أنها طابت لأجل الضغمة، وإنما يريد أنها طابت بالضغمة.
قوله: "لضغمهماها" اللام فيه للتعليل، والضمير الأول في موضع خفض من الإضافة وهي

فاعل في المعنى يرجع إلى الرجلين المذكورين في البيت السابق وهما: "مدرك ومرة"، والضمير الثاني في موضع نصب على المفعولية، وهو عائد إلى الضغمة، والتقدير: وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة يقرع العظم نابها لأجل ضغمهما إياها مثل هذه الضغمة التي أصابتها.
وقيل: الضمير الأول يرجع إلى الذئبين المذكورين في البيت السابق، والثاني إلى النفس يقول: لكثرة ما أصابه من المحن ورزايا الدهر عادت نفسي تروم وتطيب لأن يعضها السباع وتهلكها لتتخلص مما [هي] 1 عليه.
وقيل: الضمير الأول مفعول به، والثاني: فاعل، أي تطيب نفسي لأن ضغمتهما ضغمة كما ضغمتني.
قوله: "يقرع العظم نابها" في موضع [خفض إما] (2) صفة لضغمة الأولى، وفصل للضرورة بالجار والمجرور وهو لضغمهماها، وهذا ضعيف لأجل الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي، وإما في موضع الصفة لمثل محذوف؛ لأن معناه: لضغمهما مثلها؛ لأن الضغمة الأولى لم تصب هذين، وإنما أصابهما مثلها، فهو في المعنى مراده، ومثلٌ: نكرة وإن أضيف إلى المعرفة فجاز أن يوصف بالجملة ويجوز أن [يكون] (3) "يقرع العظم نابها": جملة مستأنفة تبين أمر الضغمة في الموضعين جميعًا؛ فلا موضع لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقع مفرد.
فإن قلتَ: فإذا كان اللام في لضغمهما للتعليل على ما ذكرت فما موقعه؟ قلتُ: هو بدل من قوله: "لضغمة".
فإن قلتَ: الضغم مصدر، والضغمة مرة منه، فكيف يجوز إبدال العام من الخاص؟ وهذا عندهم من بدل الغلط؛ كما في قولك: مررت بزيد القوم؟ قلت: يجوز أن تكون الضغمة بمعنى الضغم؛ كالرجمة بمعنى الرجم، فالتاء ليست للمرة، أو نكون التاء محذوفة من الأخيرة للضرورة، أي لضغمتهماها.
الاستشهاد فيه: في اجتماع الضميرين، وكان القياس في الثاني منهما الانفصال فجاء متصلًا على غير القياس نحو: لضغمهماها، والقياس لضغمهما إياها، وقال ابن يسعون: استشهد به أبو علي في الإيضاح على وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل؛ لأن مجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن.
والمصدر هو لضغمهما، وهو مضاف إلى هما، وهما في المعنى فاعلان، والمفعول المضغوم محذوف،

ولو ذكره مع هذه المتصلة العائدة على ضغمة لقال: لضغمهماها (1) إياي وإياها، ولو أتى بضمير الضغمة منفصلًا على الوجه الأحسن لقال: لضغمهما إياي إياها، وكان إياي يتقدم لوجهين: أحدهما: لأنه ضمير الخاطب، وهو أولى بالتقديم من الضمير الغائب.
والوجه الآخر: أن إياي ضمير المفعول به، وإياها ضمير المصدر، فهي فضلة مستغنى عنها بما هو آكد منها، وكان الأصل: لضغمهما إياي، مثلها أي مثل تلك الضغمة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل، وحذفُ المفعول مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير؛ كما قد يحذف معه الفاعل - أيضًا - (2).

جارٍ التحميل