الشاهد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة
2, 3
لا يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إلى الإِحْجامِ... يَوْمَ الوَغَى مُتَخَوِّفًا لحِمَامِ
أقول: قائله هو قطري بن الفجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي، وكان من الشجعان المشاهير، ويقال: إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة.
قتل في سنة تسعة وسبعين للهجرة، قتله عسكر الحجاج من جهة عبد الملك بن مروان الأموي.
ووقع في نسخة ابن الناظم أن قائل هذا البيت [هو] 4 الطرماح 5، وهو غلط فاحش، فالسهو إما منه، وإما إلحاق من الناسخ، وبعده ستة أبيات أخر، وهي 6:
2 - فلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً... مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمَامِي
3 - حَتَّى خَضَبتُ بِمَا تَحَدَّرَ مِنْ دَمِي... أَكْنَافَ سَرْجِي أوْ عِنَانَ لِجَامِي1
4 - ثُمّ انْصَرَفْتُ وقَدْ أَصَبتُ ولَمْ أُصَبْ... جَذَعَ البَصِيرَةِ قَارِحَ الإقدَامِ
5 - مُتَعَرِّضًا للموت أَضْرِبُ مُعْلَمًا... بُهْمَ الحُرُوب مُشَهَّرَ الأعْلامِ
6 - أدْعُو الكُمَاةَ إلى النّزَالِ ولا أَرَى... نَحْرَ الكريمِ عَلَى القَنَا بِحَرَامِ
وهو من الكامل وفيه الإضمار والقطع.
1 - قوله: "لا يركنن": من ركن إلى الشيء يركن من باب نصر ينصر، وركن يركن من باب علم يعلم إذا مال إليه، وقد جاء ركن يركن بالفتح فيهما وهو لغة متداخلة 1.
قوله: "الإحجام" بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها الجيم، ومعناه: النكوص والتأخر، و "الإجحام" بتقديم الجيم مثله وهو مقلوب، قوله: "يوم الوغى" بالغين المعجمة، أي: يوم الحرب، قوله: "متخوفًا" المتخوف: الخائف شيئًا بعد شيء، قوله: "لحمام" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم، أي: للموت، وقال الجوهري: الحمام بالكسر: قدر الموت 2.
2 - قوله: "دريئة" يهمز ولا يهمز، فيجعل من الدرء وهو الدفع، ومن الدرى وهو الختل، وبهذا سمي البعير الذي يسيب فتألفه الوحش لا تنفر منه، ثم يجيء صاحبه يستتر به فيرمي الوحش، والحلقة التي يتعلم عليها الطعن دريئة، ويمكن حمل معنى البيت عليهما جميعًا، فإذا أراد بالدريئة الحلقة، فالمراد أن الطعن يقع فيه كما يقع في تلك الحلقة، وإن أراد به الدابة التي يستتر بها؛ فالمراد أنه يتقى به فيصير سترة لغيره من الطعن؛ كما تكون الدابة سترة للصائد، وعلى هذا معنى للرماح: من أجل الرماح.
قوله: "من عن يميني" كلمة عن هاهنا اسم، والمعنى: من جانب يميني.
3 - قوله: "أو عنان لجامي" "أو" هاهنا ليست للشك، وإنما هي التي يراد بها أحد الأمرين على طريق التعاقب [أي] 3 إما ذا وإما ذا، ولك أن تريد الجمع لأنه أصله الإباحة.
4 - قوله: "جذع البصيرة" الجذع: قبل الثني بسنة، وانتصابه على الحال، وجذع البصيرة قارح الأقدام: أصلهما في الخيل وذوات الحوافر كلها، وذلك أن المهر يركب بعد حول سياسة ورياضة، فإذا بلغ حولين، فهو جذع فحينئذ يستغني عن الرياضة، يقول: استبصاري ويقيني لا يحتاجان إلى تهذيب وتأديب؛ كما لا يحتاج الجذع إلى الرياضة، وإقدامي قارح، أي: قد بلغ النهاية؛ كما أن القروح نهاية سن الفرس ولا سن بعده.
6 - قوله: "أدعو الكماة" بضم الكاف؛ جمع كمي، وهو الشجاع المتغطي بسلاحه، قوله: "إلى النزال" بكسر النون، وهو أن يتنازل الفريقان في الحرب.
الإعراب:
قوله: "لا يركنن": فعل نهي مؤكد بالنون الخفيفة، وقوله: "أحد": فاعله، و "إلى الإحجام": يتعلق به، قوله: "يوم الوغى": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "متخوفًا" حال من أحد، وإن كان نكرة لوقوعه في سياق النهي، وهو محل الاستشهاد (1)، قوله: "لحمام" أي: لأجل حمام، يتعلق بقوله: "متخوفًا".