الشاهد الخامس والأربعون بعد السبعمائة
3، 4
لَا يَبْعَدَن قَوْمِي الذينَ هُمُ... سُمُّ العَدَاةِ وَآفَةُ الجُزْر
النَّازلُي بِكلِّ مُعْتَرَكٍ... والطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الأُزْرِ
أقول: قائلته هي خرنق بنت هفان القيسية، من بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
ترثي زوجَها بشر بن عمرو بن مرثد وابنَها علقمة بن بشر وأخويه حسَّان وشرحبيل.12
وكانوا قد أغاروا في بني ضبيعة علي بني أسد، فأخذ عليهم بنو أسد عقبة جبل يقال له قلاب من محلة بني أسد فقتلوهم به، فقالت خرنق تذكُر ذلك 1:
1 - فَلَا وَأَبِيكَ يبقى بَعْدَ بِشر... عَلَى حَيٍّ يَمُوتُ صَديق
2 - وبعدَ الخير عَلقَمَةُ بنُ بشْر... إذا مَا الموتُ كَانَ لَدَى الحُلوقِ
3 - وَمَال بَنُو ضُبَيعَةَ بَعْدَ بِشْر... كمَا مَال الجُذُوعُ من الحريق
4 - فَكَم بقُلَاب مِن أَوْصَالِ خرقٍ... أخِي ثقَة وَجُمجُمَةٍ فَلِيق
والبيتان المذكوران من قصيدة من الكامل، وأولها هو قولها 2:
1 - إنْ يَشرَبُوا يَهبُوا وإنْ يَذَرُوا... يَتَوَاعَظُوا عنْ منطق الهُجْر
2 - قومٌ إذا رَكِبُوا سمعت لهُم... لغَطًا ينَ التَّأْيِيهِ والزجرِ
3 - والخَالطينَ نحيتَهُم بنُضَارهم... وذَوي الغنَى مِنْهُم بِذي النقر
4 - هَذَا ثنَائي مَا بَقيتُ لَهُم... فَإذَا هَلَكتُ أَجَنَّنِي قبرِي
1 - قولها: "الهجر" بضم الهاء؛ الفحش.
2 - و "اللغط": الجلبة.
و"والتأبيه": الصوت، يقال: أيهت به تأبيهًا إذا صحت به.
3 - و "النحيت": الخامل الساقط الذكر فيهم، و "النضار": الرفيع.
5 - قولها: "لا يبعدن" بفتح العين والدال؛ من بَعِدَ يبعَدُ -من باب علم يعلم- بَعَدًا بفتحتين إذا هلك، ومعناه: لا يهلكن قومي، قولها: "سم" بضم السِّين المهملة، وحكى الأخفش الكسر- أيضًا، وجمعه: سمام، و "العداة": جمع عاد؛ كالقضاة جمع قاض.
[قولها] 3: "وآفة الجزر" الآفة العلة، والجزر بضم الجيم وسكون الزاى بعدها راء، وأصله: جزر بضمتين فسكنت [الثَّانية] 4 للوزن، وهو جمع جزور، وأراد بآفة الجزر: أنهم كانوا يكثرون من نحر الجزر للضيفان.
قوله: "معترك" بضم الميم، هو موضع القتال، وكذلك المعركة، ومعنى "النازلين بكلِّ معترك" 5
أنهم ينزلون عن الخيل عند [ضيق] 1 المعترك فيقاتلون على أقدامهم، وفي ذلك الوقت يتداعون نزال، و "الأزر" بضم الهمزة وسكون الزَّاي؛ جمع إزار.
و"المعاقد" بفتح الميم، وهو موضع عقد الإزار، ويقال: المعاقد: الحجز، وهي جمع حجزة، والحجزة: حيث ينثني طرف الإزار في لوث الإزار، وحكى ابن الأعرابي: الحزة كما ينطق بها العامة، وقيل: المعاقد للأزر، والحجز للسراويلات، والحجز للعجم وملوك العرب؛ [كما قال النابغة في ملوك غسان 2:
رقَاقُ النِّعَالِ طَيِّبٌ حُجُزَاتهُم... يُحَيَّوْنَ بالرِّيحَان يَوْمَ السَّبَاسِب
والمعاقد للعرب] 3 لأنها لا تكاد تلبس إلَّا الأزر، والأزر جمع إزار، وسكن الزَّاي للاستخفاف.
وحاصل معنى قولها: "والطيبون معاقد الأزر" أنهم موصوفون بالعفة؛ لأنَّ العرب تكني بالشيء عما يحويه ويشتمل عليه؛ كما قالوا: ناصح الجيب يريدون الفؤاد؛ فكنوا عنه بالجيب الذي يقع عليه أو قريبًا منه.
الإعراب:
قوله: "لا يبعدن" لا: دعاء، ويبعدن: في موضع جزم بالدعاء؛ لأنَّ الدعاء يجزم كما يجزم النَّهي غير أن النون الخفيفة ذهبت بإعرابه في اللفظ وبقي الموضع مجزومًا، قوله: "قومي": فاعل غير أنَّه لا يظهر فيه الإعراب، قوله: "الذين": موصول، و "هم" مبتدأ، و "سم العداة": خبره، والجملة صلة الموصول، والموصول مع صلته صفة للقوم.
قوله: "وآفة الجزر" كلام إضافي [عطف] (4) على: "هم سم العداة"، قوله: "النازلين" بالنصب على القطع، ويروى: النازلون بالرفع -أيضًا- بالإتباع، ويروى كلاهما بالقطع -أيضًا-.
قوله: "والطيبون معاقد الأزر" من باب الحسن الوجه، و "معاقد": منصوب على التشبيه بالمفعول به، وهو مشبه بالضاربين زيدًا، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنَّ طاب غير متعد، ولا يجوز أن يكون تمييزا؛ لأنَّ التمييز لا يكون إلَّا نكرة، ولا يجوز أن ينوى به الانفصال؛ لأنَّ
معاقد لا يخلو إما أن يكون جمع معقِد بكسر القاف، وهو الموضع، أو جمع معقَد بفتح القاف، وهو المصدر، وأجمع النحويون على أن إضافة المصدر والموضع محضة لا ينوى بها الانفصال.
الاستشهاد وفيه:
في قوله: "والطيبون معاقد الأزر" فإن فيه دليلًا على صحة: الحسن وجه الأب (1) برفع الوجه، ويجوز نصبه كما يجوز نصب معاقد الأزر على الوجه المذكور.