المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الخامس والأربعون

5، 6 ................................... تساويُ عَنْزِي غيرَ خَمْسِ دراهِمِ أقول: هذا البيت أنشده الفراء، ولم يذكر قائله، وقال أبو حيان 7: لا يعرف قائله، بل لعله1234

مصنوع، قلت: قائله رجل من الأعراب، وله حكاية نذكرها الآن -إن شاء الله تعالى- وصدره: فَعَوَّضَنِي عَنْهَا غِنَايَ وَلَمْ تَكُنْ............................. وهو من قصيدة ميمية من الطويل، وأولها هو قوله 1: 1 - توسمتُهُ لمَّا رَأَيْتُ مَهَابَةً... عَلَيهِ وقلْتُ المرْءُ مِنْ آل هاشِمِ 2 - وإلَّا فَمِنْ آلِ المُرَارِ فإنهمْ... ملوكٌ عِظَامٌ من كرامٍ أَعَاظِمِ 3 - فقُمْتُ إِلَى عنزِ بقيَّةِ أَعْنُزٍ... لأذبحَهَا فعل امرِئ غيرِ نادمِ 4 - فَعَوَّضَنِي عَنْهَا غِنَايَ وَلَمْ تَكُنْ... تساويّ عَنْزِي غيرَ خَمْسِ دراهِمِ 5 - فقلتُ لأهلِي في الخَلاءِ وَصِبْيَتِي... أَحَقًّا أرى أم تلكَ أحلامُ نائمِ 6 - فقالوا جَمِيعًا لا بل الحقُّ هذه... تخب بها الرُّكْبَانُ وسْطَ المواسِمِ 7 - بخمسِ مئينَ من دنانيرَ عُوِّضَتْ... من العنزِ ما جادتْ به كفُّ حاتمِ وحكايته أنه خرج عبد اللَّه بن العباس - رضي الله تعالى عنهما - مرة يريد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - فأصابته سماء، فنظر إلى نويرة عن يمينه، فقال لغلامه: مل بنا إليها، فلما أتياها إذا شيخ ذو هيئة رثَّةٍ، فقال له الشيخ: انِخْ انزل حُيِّيتَ، ودخل إلى منزله فقال لامرأته: هيِّئِي لي شاتك أقضي بها ذمام هذا الرجل؛ فقد توسمت فيه الخير؛ فإن يكن من مضر فهو من بني عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بني آكل المرار، فقالت له: قد عرفت حال صبيتي، وإن معيشتهم منها، فأخاف الموت عليهم إن فقدوها، فقال: موتهم أحبّ إليّ من اللؤم، ثم قبض على الشاة وأخذ الشفرة، وأنشد 2: 1 - قَرِينَتِي لا تُوقِظُنِي بَنِيَّهْ... إِنْ يُوقَظُوا يَنْتَحِبُوا علَيَّهْ 2 - وَيَنْزَعُوا الشَّفْرَةَ مِنْ يَدَيَّهْ... أَبْغَضُ هذا أن يُرَى لَدَيَّهْ ثم ذبحها وقشط جلدها وقطعها أرباعًا وقذفها في القدر حتى إذا استوى أثرد في جفنته 3 فعشاهم ثم غداهم، فلما أراد عبد الله الرحيل، قال لغلامه: ارم للشيخ ما معك من نفقة، فقال: ذبح لك الشاة فكافأته بمثل عشرة أمثالها وهو لا يعرفك، فقال: ويحك! إن هذا لم يكن يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجادَ لنا بها، وإن كان لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، ارم بها إليه، فرماها إليه = (1/ 280 - 285).

فكانت خمسمائة دينار، فارتحل عبد الله فأتى معاوية [- رضي اللَّه تعالى عنهما -] 1 فقضى حاجته، ثم أقبل راجعًا إلى المدينة حتى إذا قرب من ذلك الشيخ قال لغلامه: ملْ بنا إليه ننظر في أي حالة هو، فانتهينا إليه، فإذا برجل سريّ عنده دخان عال ورماد كثير وإبل وغنم ففرح بذلك، فقال له الشيح: انزل بالرحب والسعة، فقال: أتعرفني؟ قال 2: لا واللَّه فمن أنت؟ قال (3): أنا نزيلك ليلة كذا وكذا، فقام إليه وقبّل رأسه ويديه ورجليه، وقال: قد قلت أبياتًا، أتسمعها مني؟ فقال: هات، فأنشده هذه الأبيات، فضحك عبد الله وقال: قد أعطيتنا أكثر مما أخذت 3 منا، يا غلام: أعطه مثلها، فبلغت فعلته معاوية - رضي الله عنه -، فقال: لله در عبد الله! من أي بيضة خرج؟ وفي أي عش درج؟ هي لعمري من فعلاته.
1 - قوله: "توسمته" من التوسم يقال: توسمت فيه الخير، أي تفرست، قوله: "من آل المرار" بضم الميم وتخفيف الراء؛ وهو شجر مرّ إذا أكلتْ منه الإبل قلصتْ عنه مشافرُها، الواحد مرارة، قال الجوهري: ومنه بنو آكل المرار، وهم قوم من العرب 4. قلت: آكل المرار هو أول ملوك كِنْدَة واسمه حجر بن عمرو وهو من ولد كندة، واسمه ثور بن عفير بن الحرث من ولد زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما سمي حجر آكل المرار لكون امرأته قالت: خدر كأنه جمل قد أكل المرار لبغضها فيه فغلب ذلك لقبًا عليه.
الإعراب: قوله: "فعوضني عنها" أي عن العنز التي ذبحها الأعرابي لعبد اللَّه، فالفاء للعطف على ما قبله، و "عوضني" جملة من الفعل والمفعول والفاعل هو الضمير المستتر فيه العائد إلى عبد الله، والمفعول هو الضمير المتصل به والجار والمجرور يتعلق به، "غناي" كلام إضافي مفعول ثان لعوض.
قوله: "ولم تكن" جملة وقعت حالًا، قوله: "تساوي" فعل مضارع من ساوى يساوي مساواة، يقال: هذا الشيء لا يساوي هذا الشيء أي لا يعادلُه، قوله: "عنزي" كلام إضافي فاعل يساوي، وقوله: "غير خمس دراهم" خبر كان 5، وخمس مجرور بالإضافة وكذلك قوله: "خمس دراهم".

الاستشهاد هيه: في قوله: "تساوي" حيث أبرز الشاعر فيه الضمة على الياء لضرورة (1) الوزن (2)، وقد جاء نظير ذلك في الاسم وهو قول الشاعر (3): تَرَاهُ وَقَدْ بَزَّ الزَّمَانُ كأَنَّهُ... أَقَامَ كلاب عنهمْ مُصْغِيُ الخَدِّ أصْلَمُ

جارٍ التحميل