الشاهد الحادي والخمسون بعد المائة
6, 7 خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلا تَكُ مُلْغِيًا... مقالةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيرُ مَرَّتِ أقول: قائله رجل من الطائيين لم نقف على اسمه.12345
وهو من الطويل من الضرب الثاني وقافيته من المتدارك.
قوله: "خبير": من الخبرة وهو العلم بالشيء، يقال: فلان خبير بهذا أي: عالم به، قوله: "بنو لهب" -بكسر اللام وسكون الهاء، وهو 1 من بني نصر بن الأزد، وهم أزجر قوم، وقال ابن هشام في السيرة: لهب حي من الأزد.
وقال غيره: هو لهب بن أحجن بن كعب بن الحرث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهي القبيلة التي تعرف بالعيافة والزجر، ومنهم اللهبي المذكور في البيت، وهو الذي زجر حين وقعت الحصاة بصلعة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأدمته، وذلك في الحج فقال: أشَعْرُ أمير المؤمنين؟ ووالله لا يحج بعد هذا العام فكان ذلك 2.
قوله: "ملغيًا": من الإلغاء، يقال: لغيت كلامه إذا عديته ساقطًا، وقوله: "لهبي": نسبة إلى لهب، وهو بتسكين الهاء كما ذكرنا.
المعنى: أن بني لهب عالمون بالزجر والعيافة؛ فلا تلغ كلام رجل لهبي إذا زجر أو عاف حين تمر عليه الطير.
الإعراب:
قوله: "خبير": مبتدأ، و "بنو لهب": فاعله، سد مسد الخبر.
فإنَّ قلتَ: ما مسوغ وقوع "خبير" مبتدأ وهو نكرة؟ قلتُ: كونه 3 عاملًا فيما بعده، وقد عدت النحاة من جملة المخصصات كون المبتدأ نكرة عاملة، وقد قيل: إن خبيرًا لو كان خبرًا مقدمًا لزم الإخبار عن الجمع بواحد، فلما بطل هذا تعين كونه مبتدأ، و"بنو لهب": فاعل سد مسد الخبر وفيه نظر؛ لأن فعيلًا قد يأتي للجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، وقول الشاعر 4:
................................ بِأَوْجهِ أَعْدَاء وَهُنَّ صَدِيقُ
وقد وقع ذلك في نفس لفظ: "خبير" قال الشاعر 5:
إِذَا لاقِيتِ قَوْمِي فاسْأَلِيهِمْ... كَفَى قَوْمًا بِصَاحِبِهِمْ خَبِيرًا
وفاعل كفى ضمير السؤال المفهوم من قوله: "فاسأليهم"، و "قومًا": مفعول، و "خبيرًا": صفة له، و "بصاحبهم": متعلق به، قوله: "فلا تك ملغيًا" اسم كان مستتر فيه، وخبره قوله: "ملغيًا"، قوله: "مقالة لهبي": كلام إضافي [مفعول] (1) لقوله: "ملغيًا"، قوله: "إذا الطير" ارتفاع الطير بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: إذا مرت الطير مرت، ومرت الثانية مفسرة للمحذوف، والمعنى: حين مرت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "خبير بنو لهب" حيث سد الفاعل مسد الخبر من غير اعتماده على استفهام أو نفي، وهذا قبيح عند سيبويه، وسائغ عند الكوفيين والأخفش، وزعم بعضهم أن سيبويه وافقهم في هذا، والصحيح عند سيبويه خلاف ذلك كما قررناه (2).