الشاهد الحادي والثمانون بعد الأربعمائة
1, 2
تَرَكْنَا فِي الحَضِيضِ بَنَاتَ عُوجٍ... عَوَاكِفَ قَدْ خَضَعْنَ إلَى النُّسُورِ
أبَحْنَا حَيَّهُمْ أَسْرًا وقَتلًا... عَدَا الشَّمْطَاءِ والطِّفل الصَّغِيرِ
أقول: لم أقف على اسم قائلهما، وهما من الوافر، وفيه العصب والقطف 3، وإنما أنشدوا البيتين كليهما مع أن البيت الأول لا شاهد فيه ليعلم أن القوافي مخفوضة.
1 - قوله: "في الحضيض" بفتح الحاء المهملة وبضادين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة، وهو القرار من الأرض عند منقطع الجبل، وأراد به الموضع المعين الذي وقعت فيه الحروب، قوله: "بنات عوج" بضم العين وسكون الواو، أي: بنات خيل 4 عوج، وهو جمع أعوج، والعوج من الخيل: التي في أرجلها تجنيب؛ وهو انحناء وتوتير في رجل الفرس وهو مستحب، قال أبو دواد 5 يمدح الفرس 6:
وفي اليَدَيْنِ إذَا مَا الماءُ أَسْهَلَهَا... ثَنيٌ قَليلٌ وفيِ الرِّجْلَيْنِ تَجنِيبُ
ويجوز أن يكون عوج جمع أعوجي؛ قال أبو علي في التذكرة في قوله 7:
أَحْوَى مِنَ العُوجِ وقَاحُ الحَافِرِ.........................................
ويجوز أن يكون جمع أعوجي كفرس جمع فارسي، ويكون أعوجي منسوبًا إلى أعوج، وبنات أعوج هي الخيول المشهورة بين العرب، المتناسلة من أعوج وهو فرس كان لبني هلال تُنْسَبُ إليه الأعوجيات، وبنات أعوج.
قال أبو عبيدة: كان أعوج لكِنْدةَ فأخذته بنو سليم في بعض أيامهم فصار لبني هلال، وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلًا منه 8.
وقال الأصمعي في كتاب الفرس: أعوج كان لبني آكل المرار ثم صار لبني هلال بن هلال بن عامر (1).
قوله: "عواكف": جمع عاكف من عكف على الشيء يعكف ويعكُف عكوفًا إذا أقبل عليه مواظبًا، قوله: "قد خضعن": من الخضوع وهو التطامن، و "النسور": جمع نسر وهو الطائر المعروف، وهو جمع الكثرة، وجمع القلة: أنسر، قوله: "الشمطاء" هي المرأة العجوزة؛ من الشمط وهو بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل أشمط والمرأة شمطاء.
الإعراب:
قوله: "تركنا": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "بنات عوج": كلام إضافي مفعوله، و "في الحضيض": يتعلق بتركنا، قوله: "عواكف": نصب على أنه مفعول ثانٍ لتركنا، وترك من أفعال التصيير، قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: 99]، قوله: "قد خضعن": جملة وقعت حالًا عن بنات عوج، و "إلى النسور" يتعلق به.
قوله: "أبحنا" جملة من الفعل والفاعل؛ من الإباحة، وقوله: "حيهم" كلام إضافي مفعوله، قوله: "قتلًا" نصب على التمييز، أي: من حيث القتل، ومن حيث الأسر، قوله: "عدا": حرف جر هاهنا، ولهذا جر الشمطاء.
الاستشهاد فيه:
حيث جاء: "عدا" حرف جر وهو قليل، ولم يحفظ سيبويه فيه إلا أن يكون فعلًا ماضيًا (2).