الشاهد الثلاثون بعد الأربعمائة
1، 2
فَأَيْنَ إِلَى أَيْنَ النَّجَاءُ ببغلَتِي؟... أَتَاكِ أَتَاكِ اللاحقوك احبسِ احبسِ
أقول: هذا من الطويل.
قوله: "النَّجَاء" بفتح النون وتخفيف الجيم وبالمد، معناه: الإسراع، يقال: نجوت نجاء، أي: أسرعت وسبقت.
الإعراب:
قوله: "فأين" الفاء للعطف وأين للاستفهام عن المكان، إذا قلت: أين زيد؟، فإنما تستفهم عن مكان وهو متعلق بمحذوف تقديره: فأين تذهب؟ معناه: لا مذهب لك، ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26]، قوله: "إلى أين؟ ": في محل الرفع على أنه خبر مقدم على المبتدأ المؤخر وهو قوله: "النجاء" فإنه مرفوع بالابتداء، وقوله: "ببغلتي": كلام إضافي يتعلق به.
قوله: "أتاك أتاك": جملتان من الفعل والمفعول تنازعتا في قوله: "اللاحقوك" على ما نقرره الآن، ولما أضيف اللاحقون الذي هو جمع اسم فاعل إلى كاف الخطاب، سقطت نونه على ما هو الأصل، قوله: "احبس احبس": جملة من الفعل والفاعل والمفعول تقديره: احبس نفسك ونحوه، واحبس الثاني تأكيد للأول 3.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أتاك أتاك اللاحقوك" فإنهما عاملان في اللفظ ولكن الثاني منهما لا يقتضي إلا التأكيد؛ إذ لو كان عاملًا لقيل: أتوك أتاك، أو: أتاك أتوك 4. = لهيهات الأول، وعليه يكون هيهات الثاني لا فاعل له أصلًا".
واعلم أنهم اختلفوا في نحو: قام قام زيد، فقال بعضهم: زيد فاعل بهما؛ لأنهما بلفظ واحد ومعنى واحد فكأنهما عامل واحد، وقال بعضهم: بالأول فقط، وأما الثاني فإنه لا يحتاج (1) إلى فاعل؛ لأنه لم يؤت به للإسناد وإنما أتي به لمجرد التأكيد.
وقال بعضهم: فاعل بأحدهما، وفاعل الآخر ضمير على أنهما تنازعاه فأعمل أحدهما وأضمر الآخر (2)، والأصح القول الثاني، ودعوى التنازع بالبيت المذكور باطلة لما قلنا.
فإن قلت: إذا كان الثاني تأكيدًا كما ذكرت فما العامل في اللاحقوك؟ هل الأول المؤكَّد أم الثاني المؤكِّد؟
قلت: جوز بعضهم أن يكون العاملان معًا عملًا فيه عملًا واحدًا، ولا يلزم فيه اجتماع عاملين على معمول واحد، من حيث أن الثاني لما كان تأكيدًا للأول جريا مجرى الشيء الواحد فكان الثاني هو الأول وليس غيره.
وقال بعضهم: إن العامل هو الأول، والثاني ينزل منزلة حرف التأكيد؛ كاللام في قولنا: لزيد منطلق وغيره.
فافهم والله تعالى أعلم.