الشاهد الثاني والستون بعد المائتين
1، 2 منا الأناة وبعض القوم يحسبنا... إنَّا بطاء وفي إبطائنا سرع أقول: قائله هو وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال 3 بن حمل شاعر فصيح جميل ظريف، كان من أبناء الفرس الذين بصنعاء، وأمه من حمير، وكان في زمن عبد الملك بن مروان، وقتله الوليد بن عبد الملك بسبب تشببه بأم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان، وهي امرأة الوليد بن عبد الملك، والبيت المذكور من قصيدة عينية، وأولها [هو] 4 قوله 5: 1 - بَانَ الخلِيطُ بمَنْ عُلِقْتُ فانْصَدَعُوا... فدَمْعُ عَينَيكَ واهٍ واكِفٌ هَمِعُ 2 - كيف اللِّقَاءُ وقَدْ أضْحَتْ ومَسْكَنُهَا... بطْنَ المحِلَّةِ منْ صَنْعَاءَ أو ضَلَعُ 3 - كَمْ دُونَهَا مِنْ فَيافٍ لا أنيسَ بهَا... إلَّا الظَّلِيمَ وإلا الظبي والسبع 4 - ومَنْهَلٍ صَخِبُ الأصْدَاء وارِدُهُ... طيرُ السَّماء تَحُومُ الحِيَن أوْ تقَعُ 5 - لا مَاؤُهُ مَاءُ أحْسَاءٍ تُقَرِّظُهُ... أيدِي السُّقَاةِ ولا صَادٍ ولا كَرِعُ 6 - إلا تُرَشِّحُ عِلْبًا دُونَهُ رَهَبٌ... مِنْ عَرْمَضٍ فَأبَاءُ فهي منتقعُ
7 - تقول عاذلتي مهْلًا فقلْتُ لهَا... عَنِّي إليك فَهَلْ تَدْرِينَ مَنْ أدَعُ
8 - وكَيفَ أَتْرُكُ شَخْصًا في رَوَاجبِهِ... وفيِ الأنَاملِ مِنْ حَنَّائِهِ لُمعُ
9 - وأنْتِ لَوْ كُنتِ بِي جَدَّ الخبَيرَةِ لَمْ... يُطمِعْكِ في طمع من شيمتي طمعُ
10 - إنِي لَيَعُوزُنِي جَدِّي فَأَتْرُكَهُ... عَمْدًا وأُخْدَعُ أحْيَانًا فأَنْخَدِعُ
11 - وأكتُمُ السِّرَّ في صَدرِي وأخْزِنُهُ... حَتى يَكُونَ لهُ مُلْحٍ ومُستَمِعُ
12 - وأتركُ القولَ إلَّا في مُرَاجَعَةٍ... حَتّى تَكُونَ لذاكَ القولِ مُطّلعُ
13 - لا قُوّتي قُوّةَ الرَّاعيِ رَكَائِبَه... يَأْوي فَيَأوي إِليه الكلبُ والرُّبَعُ
14 - ولا العسيفِ الَّذي يَشْتَدُّ عُقْبَتَهُ... حَتَّى يَبِيتَ وَبَاقِي نَعلهِ قِطَعُ
15 - لَا يَحْملُ العبْدُ منَّا فَوْقَ طَاقَتِهُ... ونَحْنُ نَحْملُ ما لا تَحْملُ الْقَلَعُ
16 - منا الأناة.......................................... إلى آخره
وهي من البسيط والقافية متراكب.
ولم يذكر أبو تمام في حماسته إلَّا أربعة أبيات من هذه القصيدة من عند قوله: "لا قوتي قوة الراعي إلى آخرها، وقد نقلت أنا تمام القصيدة من ديوان وضاح لحسنها ولطافة معانيها.
1 - قوله: "بان": من البين وهو الفراق "والخليط": عشير الرَّجل ومؤانسه، قوله: "واهٍ" أي: ساقط، و"واكف": من وكف البيت إذا قطر، و"وهمع" بفتح الهاء وكسر الميم، من الهموع -بالضم وهو السيلان، والهموع بالفتح: السائل.
2 - و"بطن المحلة": موضع، و"صنعاء": مدينة باليمن، و"ضلع" بفتح الضاد المعجمة والسلام، اسم موضع.
3 - و"الفيافي": جمع فيفاءَ؛ وهي الصحراء الملساء، و"الظليم" بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام، ذكر النعامة.
4 - قوله: "صخب الأصداء" من قولهم: ماء صَخِب -بفتح الصاد المهملة وكسر الخاء المعجمة: إذا كان له صوت، و"الأصداء": جمع صدى؛ وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، قوله: "تحوم" أي: تطوف، و"الحَين" بالفتح: الهلاك.
5 - و"الأحساء" جمع حسى -بكسر الحاء؛ وهو الماء المتواري في الرمل، قوله: "تقرظه" [1... ] قوله: "ولا صاد" وهو العطشان؛ من صدى يصدى صدًى إذا عطش فهو
صدٍ وصادٍ وصديان، و"والكرع" بفتحتين؛ ماء السماء يكرع فيه، والكَرِع -بفتح الكاف وكسر الراء: هو الذي يكرع في الماء، وهو الذي يتناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء.
6 - و"العرمض": الطحلب وهو الأخضر الذي يخرج من أسفل الماء حتَّى يعلوه، و"الآباء" القصب، وقيل: الأجمة.
قوله: "من أدع" أي: من أترك.
8 - و"الرواجب" بالجيم؛ جمع راجبة، وهي مفاصل الأصابع التي تلي الأنامل ثم البراجم ثم الأشاجع اللاتي تَلِي 1 الكف.
13 - قوله: "ركائبه": جمع ركوبة، ويروى: قلائصه جمع قلوصة وهي الشابة من الإبل، و"الربع" بضم الراء وفتح الباء الموحدة؛ وهو الفصل الذي ينتج في الرَّبيع، وهو أول النتاج والجمع: رباع مثل رطب رطاب.
14 - و"العسيف" بفتح العين المهملة وكسر السين؛ وهو الأجير، و"العقبة" بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة؛ وهي النوبة، وانتصابها على الظرفية، قوله: "وباقي نعله قطع": جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في يبيت، وقيل: هذه الجملة في موضع خبر يبيت تقديره: حتَّى يبيت منقطع باقي نَعْلَه 2.
15 - قوله: "لا يحمل العبد منا" أي: لا يكلف العبد إلا ما دون ما يطيقه إبقاء عليه، ونحن نحمل من مشاق الأمور ما لا تطيقه، "القلع" أي: الهضاب العظام، وهو بفتح القاف والسلام.
16 - قوله: "منا الأناة" بفتح الهمزة والنون؛ أي: التأني والتمهل في الأمور، قوله: "بطاء" بكسر الباء الموحدة وتخفيف الطاء؛ جمع بطيء، قوله: "سرع" بفتحتين؛ بمعنى: السرعة، وضبطه الشيخ جمال الدين سِرَع -بكسر السين وفتح الراء ثم قال هو مصدر سَرُعَ بالضم كَصغُر صِغَرًا أي: فيما زعموا من إبطائنا إسراع 3.
الإعراب:
قوله: "منا الأناة" كلمة "من" بمعنى في، أي: فينا الأناة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: 9] و"الأناة": مبتدأ، و"منا": مقدمًا خبره، ويجوز أن تكون من بمعنى عند، أي: عندنا الأَنَاة؛ كما في قوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [آل عمران: 10] أي: عند الله شيئًا.
قوله: "وبعض القوم": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "يحسبنا": جملة خبره، والجملة حال، قوله: "إنَّا بطاء" بكسر إن للإخبار بها، ومعمول إن اسم العين، وهو مفعول أول ليحسب، والمفعول الثاني هو الخبر في الأصل، وهذا كما تَقُول: زيد إنه فاضل -بكسر إن، ولو قلت (1): اعتقادي أنك فاضل، فتحت أن؛ لأن الخبر عنه اسم معنى، والحاصل أن قوله: "إنَّا بطاء" خبر في المعنى عن ضمير المتكلم، فلو (2) فتحت أن كانت في تأويل المصدر، ولا يخبر بالمصدر عن اسم الذات، فلا يقال: زيد قيام أو قعود، وكذا لا يقال: زيد بطاء ولا نحن بطاء، قوله: "وفي إبطائنا سرع": جملة اسمية من المبتدأ والخبر وقعت حالًا (3).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إنَّا بطاء" حيث كسر إن فيه؛ لأنه مبني على ما قبله كما في قوله: زيد إنه منطلق.