الشاهد الثاني والستون بعد المائة
4, 5 أَهَابُكِ إِجْلالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ... عَلَيَّ وَلَكِن مِلْءُ عَينٍ حَبِيبُها أقول: قائله هو نصيب بن رباح الأكبر، وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى فكاتب123 = التصريح (1/ 175)، وهمع الهوامع للسيوطي (1/ 103).
على نفسه ثم أتى عبد العزيز بن مروان 1 فمدحه فوصله عبد العزيز بن مروان وأدى عنه ما كاتب عليه فصار له ولاؤه، فقال قوم: إنه من بني قضاعة، وكانت أمه أَمةً سوداء فوقع عليها سيدها فاستولدها 2 نصيبًا، فاستعبده عمه بعد موت أَبيه وباعه من عبد العزيز بن مروان، وقيل: كان من أهل ودان عبد لرجل من كنانة، هو وأهل بيته وكان عفيفًا، لم يتشبب قط إلَّا بامرأته، وكان أهل البادية يدعونه بالنصيب تفخيمًا له، وسمي نصيبًا؛ لأنه لما ولد قال سيده: ائتونا بمولودنا هذا ننظر إليه، فلما أتي به قال: إنه لنصيب الخلق فسمي نصيبًا، ويكنى أَبا محجن، وقيل: أَبا الحجناء.
وكان شاعرًا إسلاميًّا حجازيًّا من شعراء بني مروان 3، وفيهم نصيب آخر يسمى نصيبًا الأصغر وهو مولى المهدي، وهو عبد نشأ باليمامة واشتري للمهدي في حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: والله ما هو بدون نصيب مولى بني مروان؛ فأعتقه وزوجه أمة له يقال لها: جعفرة، وكناه أَبا الحجناء، وأقطعه ضيعة بالسواد، وعفر بعده، وإنما ذكرناه فرقًا بينهما؛ لأنه يشتبه على كثير من النَّاس، وبعد البيت المذكور:
وما هَجَرَتْكِ النفْسُ يَا ليلَ أَنَّهَا... قَلَتْك وَلا أَنْ قَلَّ مِنْكِ نَصِيبُهَا
ولكنهُم يَا أَمْلَحَ النَّاس أولِعُوا... بقولٍ إذَا مَا جِئْتُ هَذَا حَبِيبُهَا
وهي من الطَّويل والقافية متدارك.
قوله: "أهابك": من هابه يهابه هيبةً ومهابةً، وهي الإجلال والخافة، والإجلال: التعظيم؛ من أجله إذا عظمه، والمعنى: أهابك لا لاقتدارك عليّ، ولكن إعظامًا لقدرك؛ لأن العين تمتلئ ممن تحبه فتحصل المهابة، والضمير في: "حبيبها" للعين، وإن جعلتها للمرأة جاز كما قاله الخطيب التبريزي 4, 5.
قوله: "وما هجرتك النفس... إلخ" ويروى:
وما هجرتك النفسُ أنك عندها... قليل ولكنْ قَل منك نصيبُها = شواهد النحو الشعرية (84).
وهكذا رواه [أبو زكريا] 1 الخَطيب التبريزي وغيره 2، قوله: "قلتك" من قلاه إذا بغضه.
الإعراب:
قوله: "أهابك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "إجلالًا" من قبيل قولك: "قعدت جلوسًا" 3؛ لأن معنى: أهابك إجلالًا: أجلك؛ فيكون نصبًا على أنَّه مفعول مطلق، وإنما نصب على التعليل، أي أهابك لأجل إجلالك وتعظيمك، وقد قيل: ويجوز أن يكون في موضع الحال 4، قوله: "وما بك قدرة": جملة حالية، قوله: "ولكن"- بسكون النُّون فلذلك لم يعمل، قوله: "ملء عين": كلام إضافي خبر مقدم، وقوله: "حبيبها": مبتدأ مؤخر.
الاستشهاد فيه:
حيث يجب تأخير المبتدأ؛ إذ لو تقدم 5 يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبةً، وذلك لا يجوز 6، وإنما يتم هذا الاستشهاد على ما هو المشهور، من أنَّه إذا اجتمعت نكرة ومعرفة كانت المعرفة هي المبتدأ مطلقًا 7، وأما على ما يراه سيبويه من أن النكرة إذا كانت مقدمة وكان لها مسوغ كانت هي المبتدأ فلا, ولهذا قال في: كم جريبًا أرضك؟ بأن كم مبتدأ 8، وبقوله قال أبو الفتح في البيت فأعرب: "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبرًا 9.