الشاهد الثاني والخمسون بعد المائة
3, 4
فَخَيرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُم... إِذَا الدَّاعِي المُثوِّبُ قَال يَالا
أقول: قائله هو 5 زهير بن مسعود الضبي، من بني ضبة بن أد بن عبد مناف بن أد بن طابخة وقبله 6:12 = الشعرية (330) والشاهد فيه قوله: "كفى قومًا بصاحبهم خبيرًا؛ حيث وصف قوم بخبير، ففيه وصف الجمع بالمفرد.
والمعنى: كفى بقوم خبير أصاحبهم، فجعل الباء في الصاحب وموضعها أن تكون في قوم؛ إذ هم الفاعلون في المعنى.
وَمَنْ يَكُ بَادِيًا ويكنْ أَخَاهُ... أَبَا الضَّحَّاكِ يَنْتسِجُ الشَّمَالا
وبعده:
ولم تَثِقِ العَوَاتِقُ مِنْ غَيُورٍ... بِغَيرَتهِ وَخَلَّينَ الحِجَالا
وهي من الوافر وفيه العصب بمهملتين 1 والقطف.
قوله: "ينتسج" 2، قوله: "والعواتق": جمع عاتق، وهي الجارية الشابة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها ولم تبن إلى زوج.
قوله: "من غيور": من غار الرجل على [أهله] 3 يغار غيرًا وغيرة وغارًا، ورجل غيور وغيران، وامرأة غيور -أيضًا- وغيرَى، قوله: "وحلين" على صيغة المجهول، من التحلية بالحاء المهملة، هكذا رأيت أبا حيان ضبطه بيده، وقال ابن هشام: وخلين بفتح الخاء المعجمة.
من التخلية، ثم قال: وتخليتهن الحجال من الفزع وعدم وثوقهن بأن آباءهن وحماتهن يمنعونهن، و "الحجال" بكسر الحاء المهملة [بعدها الجيم؛ جمع حجل -بفتح الحاء 4 وسكون الجيم؛ وهو الخلخال 5 وسمي القيد -أيضًا- حجلًا، وقد جاء كسر الحاء المهملة] 6 فيهما.
قوله: "المثوب": من التثويب وهو أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوح بثوبه ليرى ويشمّر فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، ويقال: أصله من ثاب يثوب إذا رجع، قوله: "يالا" أي قال: يا لفلان، وهو حكاية صوت الداعي يا لفلان، فلما حذف فلانًا وقف على اللام فقال: يالا فصار حكاية كما تحكى الأصوات لما صار مصاحبًا للصوت الذي شبه به، وصار علامة للاستغاثة وشعارًا، فصار لذلك كسائر الأصواتا التي تحكى نحو: غاق 7.
ويقال: أصله: يا قوم لا تفروا ولا فرار 8 فحذف ما بعد لا النافية كما يقال: ألاتا، فيقال؛ ألافا يريدون ألا تفعلوا وألا فافعلوا 9، وبهذا التقدير يجاب عما زعم الكوفيون أن اللام في
المستغاث بقية اسم وهو آل، والأصل: يا آل زيد، ثم حذفت همزة (آل) للتخفيف، وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين، واستدلوا بقوله: فخير نحن عند الناس... إلخ؛ فإن الجار لا يقتصر عليه 1.
الإعراب:
قوله: "فخير": مبتدأ، وقوله: "نحن": فاعل سد مسد الخبر، ولم يسبقه لا نفي ولا استفهام وقال [أبو] 2 علي وابن خروف 3: قوله: "فخير": خبر لنحن محذوفة؛ أي: نحن خير الناس منكم، فنحن تأكيد لما في خير من ضمير المبتدأ المحذوف، وحَسُنَ هذا التأكيد بحذف المبتدأ، فلو لم يحذف لكان حسنًا -أيضًا- فلا فصل بأجنبي، وقد وقع الفصل بالفاعل بين الصلة والموصول نحو [قوله - صلى الله عليه وسلم -] 4: "ما مِنْ أَيَّامٍ أحبُّ إلى الله فيها الصومُ منه في عشر ذي الحجة" 5 وكان ذلك حسنًا سائغًا، فإذا ساغ كان [ذلك] 6 التأكيد -أيضًا- أسوغ؛ لأنه قد يحسن 7 حيث لا يحسن غيره من الأسماء 8، ويقال: إن "خير" صفة مقدمة يقدر ارتفاع نحن به، كما يجيز أبو الحسن: قائم الزيدان وعمل أفعل في الظاهر قليل 9.
فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون نحن مبتدأ، وخبره قوله: "فخير" مقدمًا عليه فحينئذ لا يكون في البيت شاهد؟
قلتُ: هذا لا يجوز لما لزم 10 في ذلك من الفصل بين أفعل التفضيل "ومن" بمبتدأ، وأفعل = فا، فإنما أرادوا ألا تفعل وبلى فافعل، ولكنه قطع كما كان قاطعًا بالألف في أنا".
الكتاب لسيبويه (3/ 320، 321).
التفضيل، ومن كمضاف ومضاف إليه، فإذا جعل (نحن) مرفوعًا بخير على الفاعلية لم يلزم ذلك؛ لأن فاعل الشيء كالجزء منه 1.
وقال ابن هشام في التذكرة: فإن قيل: أيجوز أن يكون (خير) خبر مبتدأ مقدمًا، ومنكم: غير صلة بل ظرف؛ كأنه قال: فخير نحن عند الناس فيكم؛ كما أنشد أبو زيد -أيضًا- 2:
ولستُ بالأَكْثَرِ منهم حَصًى..................................
تقديره: ولست أكثر فيهم حصى؛ لأن أل ومن لا يجتمعان.
فالجواب: أن هذا ليس قصد الشاعر ولا المعنى عليه، إنما يريد: نحن خير منكم، لأنا نفعل ما لا تفعلون؛ ألا تراه يقول بعده:
فلم تثق العواتق من غيور... بغيرته وخلين الحجالا
قوله: "عند الناس" كلام إضافي، والعامل خير، لا المبتدأ المحذوف؛ أعني: "نحن" الذي يقدر قبله، على رأي أبي علي وابن خروف، على أن يكون التقدير: فنحن عند الناس خير منكم؛ لأنك إن نزلته هذا التنزيل فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي.
قوله: "إذا الداعي": مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: إذا قال الداعي، و "المثوب": صفة الداعي، قوله: "يالا": مقول القول.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فخير نحن" حيث سد "نحن" الذي هو فاعل مسد الخبر من غير أن يتقدمه نفي ولا استفهام، وهذا شاذ عند سيبويه 3 وقد قررناه 4.