الشاهد الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة
2, 3 أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُهَا... وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْويلُ أقول: قائله هو كعب بن زهير بن أبي سلمى الصحابي -رضي الله تعالى عنه-، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله 4: بَانَتْ سُعَادُ فَقُلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ... مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَم يُفْدَ مَكْبُولُ وهي من البسيط.1
قوله: "وآمل": مضارع المتكلم وحده؛ من أمل يأمل من باب نصر ينصر، قوله: "أن تدنو": من الدنو وهو القرب، قوله: "إخال" بكسر الهمزة وهو الأصح 1، ومعناه: أظن، قوله: "تنويل": من قوله: نولته بالتشديد إذا أعطته نوالًا وهو العطية.
الإعراب:
قوله: "أرجو": جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه، قوله: "وآمل": جملة -أيضًا- عطف على الجملة التي قبلها.
وقد قيل: إن فيه عطف الشيء على نفسه؛ لأن الرجاء والأمل بمعنى واحد.
وأجيب: بأن اختلاف اللفظ قد جوز ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146]، وهذا العطف من خصائص الواو.
قوله: "أن تدنو": في محل النصب على المفعولية، وأن مصدرية، والتقدير: أرجو وآمل دنو مودتها، وإنما سكنت الواو لأجل الضرورة، قوله: "وما" للنفي، و"إخال" مضارع للمتكلم بمعنى أظن.
قوله: "تنويل": مبتدأ، وخبره قوله: "لدينا" مقدمًا عليه، قوله: "منك": حال من التنويل، والتقدير: ما أظن تنويلًا عندنا حال كونه حاصلًا منك، وذكر في شرح اللمع أن "ما" في قوله: "وما إخال" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، والمفعول الأول العائد على الذي محذوف، وجاز حذفه للعلم به، "ولدينا" المفعول الثاني، "وتنويل": خبر ما الذي هو مبتدأ 2.
الاستشهاد فيه:
هو جواز إلغاء الفعل القلبي المقدم على مفعوليه، وبهذا استدل الأخفش والكوفيون على أن العامل المقدم يجوز الغاؤه 3.
ويقال: إنما ألغي عمل إخال هاهنا لتوسطها بين النافي وهو ما وبين المنفي، ويقال: علقها عن العمل لام مقدرة، أي: وما إخال للدنيا.
ويقال: ليست هي ملغاة ولا معلقة؛ بل هي معمولة، ولكنه حذف المفعول الأول أي: وما إخاله، أي: وما إخال الأمر والشأن، فضمير الشأن هو المفعول الأول، والجملة - أعني: لدينا منك تنويل في
محل النصب على أنها المفعول الثاني (1). وقال الشيخ أبو الفتح البعلي في شرح الجرجانية: إذا تقدم الفعل على الجزأين ولم يتقدم عليه بعض الكلام ترجح الإعمال؛ كقولك: ظننت زيدًا مقيمًا، وإن تقدم عليه بعض الكلام ترجح الإهمال؛ كقول كعب بن زهير: أرجو وآمل.................................... إلى آخره فألغي إخال لتقدمه على الجزأين وتقدم بعض الكلام عليه (2)، وفيه شواهد أخرى: الأول: فيه عطف الشيء على نفسه، وقد أجبنا عنه (3). الثاني: فيه تسكين المنصوب المعتل بالواو للضرورة (4). الثالث: فيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب (5). الرابع: فيه أن يقال آمل بالتخفيف يأمل؛ كقتل يقتل، وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أنه إنما يقال: أمّل بالتشديد فافهم.