المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثاني والثمانون بعد المائة والألف

الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة والألف

1، 2 أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنتُم؟... فَقَالُوا الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلَامَا أقول: قائله هو جذع بن سنان الغساني على رواية من روى: "عِمُوا صَبَاحًا"، وأما على رواية من روى: "عِمُوا ظَلامًا" فإنه ينسب إلى شمير بن الحارث الضبي، وكذا وقع في رواية الجوهري؛ لأنه رواه: عِمُوا ظَلامًا 3، وقال أبو القاسم 4: إن الناس يغلطون في هذا الشعر فيروونه: عموا صباحًا 5، وجعل دليله على ذلك ما رواه عن ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي زيد ثم أنشد 6:

1 - ونَارٍ قَدْ حَضَأْتُ بُعَيدَ وَهْنٍ... بِدَارٍ مَا أُرِيدُ بِهَا مُقَامَا 2 - سِوَى تَرْحِيلِ رَاحِلَةٍ وعَيْرٍ... أُكَالِئُهَا مَخَافَةَ أنْ تَنَامَا 3 - أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنتُمْ؟... فَقَالُوا الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلَامَا 4 - فقُلتُ إلَى الطَّعَامِ فَقَال مِنهُم... زَعِيمٌ يَحسُدُ الأنَسَ الطَّعَامَا 5 - لقَدْ فُضِّلْتُمُ بِالأكْلِ فِينَا... ولكِنْ ذَاكَ يُعقِبُكُم سقَامَا وقال ابن السيد 1: لقد صدق أبو القاسم فيما حكاه عن ابن دريد، ولكنه أخطأ في تخطئته رواية من روى: عِمُوا صَبَاحًا؛ لأن هذا الشعر الذي أنكره وقع في كتاب سد مأرب.
ونسبه واضع الكتاب إلى جذع بن سنان الغساني في حكاية طويلة زعم أنها جرت له مع الجن، وَكِلا الشعرين أكذوبة من أكاذيب العرب لم تقع قط، فمنهم من يرويه على الصفة التي ذكرها أبو القاسم، ومنهم من رويه على ما وقع في كتاب السد، والشعر الذي على قافية الميم ينسب إلى شمير بن الحارث الضبي وينسب إلى تأبط شرًّا، وأما الشعر الذي وقع على قافية الحاء فلا أعلم خلافًا في أنه نسب إلى جذع بن سنان الغساني وهو 2: 1 - أَتَوْا نَارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنتُمْ؟... فَقَالُوا الجنُّ قلتُ عِمُوا صَبَاحَا 2 - نَزَلْتُ بِشِعْبِ وَادِي الجِنِّ لمّا... رأيتُ الليلَ قَدْ نَشرَ الجَنَاحَا 3 - أَتَيتُهُم وللأقْدَارِ حَتمٌ... تُلاقِي المَرءَ صُبحًا أَوْ رَوَاحَا 4 - أتَيتُهُمُ غَرِيبًا مُستَضِيفًا... رَأَوْا قَتلِي إِذَا فَعَلُوا جُنَاحَا 5 - أتَوْنِي سَافِرِينَ فقُلتُ أهْلًا... رأَيْتُ وُجُوهَهُمْ وُسْمًا صِباحَا 6 - نَحَرْتُ لهُمْ وقُلْتُ ألَا هَلُمُّوا... كُلُوا مِمَّا طَهَيتُ لَكُمْ سَمَاحَا 7 - أتَانِي قَاشِرٌ وبَنُو أبِيهِ... وقَدْ جَنَّ الدُّجَى والنَّجْمِ لَاحَا 8 - فنازَعَنِي الزُّجَاجَةَ بَعْدَ وهْنٍ... مَزَجتُ لهم بها عَسَلًا وَرَاحَا 9 - وحَذَّرَنِي أُمُورًا سَوْفَ تأْتِي... أَهُزُّ لهَا الصَّوارم والرّماحَا 10 - سأَمْضِي للَّذِي قَالُوا بِعَزْمٍ... ولَا أبْغِي لذلكم قِدَاحَا 11 - أسَأْتُ الظَّنَّ فيهِ ومَنْ أساه... بكلِّ النَّاسِ قَد لَاقَى نَجَاحَا!

12 - وقدْ تأتي إلى المرْء المنايَا... بأبْوَابِ الأمانِ سُدًى صُرَاحَا 13 - سَيُبقي حُكْمُ هذا الدَّهْرِ قومًا... ويهْلِك آخرون به ذُبَاحَا! 14 - أَثعلبةَ بنَ عمرو ليس هذا... أوانُ السَّيْر فاعتدَّ السِّلاحَا! 15 - ألم تعلمْ بأن الذلَّ موتٌ... يتيحُ لِمَنْ أَلَمَّ بِهِ اجْتِيَاحَا 16 - ولا يبقى نعيمُ الدَّهْرِ إلَّا... لِقرْم ماجِدٍ صَدَق الكفاحَا! والقصيدتان من الوافر.
[شرح القصيدة الميمية] 1 - قوله: "قد حضأت 1 " أي: أَشْعَلَتُ وسَعَّرْتُ؛ من حضأ بالحاء المهملة والضاد العجمة وفي آخره همزة، قال الجوهري: يهمز ولا يهمز، والعود الذي تحرك به النار مِحْضَأ على مفعل، وإذا لم يهمز فالعود مِحْضَاءُ على مفعال 2، قوله: "وهن" بفتح الواو وسكون الهاء وفي آخره نون، قال ابن سيده: الوهن والموهن: نحو من نصف الليل.
2 - قوله: "ترحيل راحلة" وهي الناقة التي تتخذ للركوب في السفر، وترحيلها إزالة الرحل عن ظهرها، والرحل للإبل كالسرج للخيل، قوله: "وعير أُكالئها" أي: أحرسها وأحفظها لئلا تنام، من كلأه اللَّه كِلاءة بالكسر؛ أي: حفظه وحرسه، يقال منه: أذهب في كلاءة اللَّه، ويروى: وعير بفتح العين وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره راء، قال الجوهري: وعَيْرُ العين: جفنُها.
ومنه قولهم: فعلت ذاك قبل عَيْرٍ وما جرى، أي: قبل لحظ العيِن.
3 - قوله: "منون أنتم فقالوا الجن" ويروى "منون قالوا: سراة الجن" بفتح السين والراء المهملتين، أي: أشرافهم، والواحد سري.
قوله: "عموا" أي: انعموا، يقال: عموا صباحًا بكسر العين وفتحها، ويقال: وَعَم يعم على مثال وعد يعد، وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من نعِم ينعِم 3، قالوا: فإذا قيل: عَموا بفتح العين فهو محذوف من أنعم مفتوح العين، وإذا قيل: عِموا بكسر العين فهو محذوف من أنعم بكسرِ العين، قال أبو عمرو بن العلاء: هو من نعم المطر إذا كثر كأنه يدعو بكثرة الخير، وقال الأصمعي: هو دعاء بالنعيم والأهل (4).

4 - قوله: "زعيم" زعيم القوم: رئيسهم؛ من الزعامة وهي الرياسة، قوله: "يحسد الإنس" بفتح الهمزة والنون، وهي لغة في الإنس بكسر الهمزة وسكون النون، قوله: "بالأكل فينا" أي: علينا.
[أول شرح القصيدة الحائية] 2 - قوله: "بشعب وادي الجن" أي: بوادي الجن، والشعب بفتح الشين في الأصل هو الطريق في الجبل.
3 - قوله: "والأقدار": جمع قدر، "حتم" أي: واجب.
5 - قوله: "سافرين": من سفر وجهه إذا كشفه، يقال: سفرت المرأة إذا كشفت عن وجهها فهي سافر، قوله: "وُسُمًا" بضم الواو والسين المهملة، وهو جمع وسيم، وهو الذي عليه سمة الجمال، قوله: "صِباحًا" بكسر الصاد؛ جمع صبيح.
6 - قوله: "هلموا" أي: أسرعوا، قوله: "مما طهيت" أي: طبخت، يقال: طهيت اللحم وطهوته، ومنه سمي الطباخ طاهيًا.
7 - قوله: "قاشر" [بالقاف وبالشين المعجمة وفي آخره راء] 1 اسم جني، قوله: "الدجى" أي: الظلمة، قوله: "لاح" أي: ظهر.
8 - قوله: "بعد وهن" وقد ذكرنا أنه [نحو من نصف الليل، قوله: "وراحًا" أي: خمرًا.
10 - قوله: "ولا أبغي" أي: ولا أطلب، و "القداح": جمع قدح] (2) بكسر القاف وسكون الدال، والمعنى: لا أطلب ضرب القدح؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا فعل شيء ضربوا بالقداح فإن خرج المكتوب عليه لا تفعل لا يفعلون، وإن خرج افعل يفعلون.
11 - قوله: "أسأت الظن فيه" يقول: أسأت الظن بضرب القدح والتعويل على ما يأمر به وينهى عنه وأن ما أمرتني به الجن أحرى بأن يعول عليه.
12 - قوله: "المنايا": جمع منية وهي الموت، قوله: "سدى" بضم السين المهملة؛ التي لم يردها أحد، قوله: "صُراحًا" بضم الصاد المهملة؛ بمعنى الظاهر.
13 - قوله: "ذباحًا" بضم الذال المعجمة وتخفيف الباء الموحدة، وهو نبت يقتل من أكله ويسمى: الذُّبَح -أيضًا- بضم الذال- وفتح الباء الموحدة، وقال الجوهري: الذُّبَحُ مثل الهُبَعُ؛

نبت تأكله النعام 1. 15 - قوله: "يتيح" أي: يقدر؛ من أتاح اللَّه لك كذا؛ أي: قدره، قوله: "لمن ألم به" أي: نزل به، و "الاجتياح" بالجيم في أوله؛ الاستئصال.
16 - قوله: "القرم" بفتح القاف وسكون الراء، وهو السيد، وأصله: الفحل من الإبل، قوله: "الكفاحا" بكسر الكاف، وهو ملاقاة الأعداء 2. الإعراب: قوله: "أتوا": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى الجن، قوله: "ناري": كلام إضافي مفعوله، قوله: "فقلت": جملة من الفعل والفاعل عطف على: "أتوا".
قوله: "منون": مبتدأ، وأنتم خبره، والجملة مقول القول في محل النصب، قوله: "فقالوا": عطف على قوله: "فقلت"، قوله: "الجن": مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: نحن الجن، والجملة مقول القول، قوله: "عموا" أي: أنعموا كما قلنا، قوله: "ظلامًا أو صباحًا": نصب على الظرف أو على التمييز.
فإن قلت: كيف يجوز له أن يقول لهم عموا صباحًا وهم في الليل؟ وإنما يليق هذا الدعاء لمن لقي في الصباح؟ قلت: الرجل إذا قلت له: عم صباحًا: ليس المراد أن ينعم في الصباح دون المساء؛ كما إذا قيل له: أرغم الله أنفه وحيَّا اللَّه وجهه، ليس المراد الأنف والوجه دون سائر الجسم، وهذه الألفاظ ظاهرها الخصوص وباطنها العموم، أو معنى هذا الكلام: أطلع اللَّه عليك كل صباح بالنعيم؛ لأن الصباح والظلام نوعان والنوع يسمى كل جزء فيه بما تسمى جملته.
الاستشهاد فيه: في قوله: "منون أنتم" فإن فيه شذوذين: الأول: إلحاق الواو والنون بها في الوصل.
والثاني: تحريك النون وهي تكون ساكنة، وقال ابن الناظم: فيه شذوذان: أحدهما: أنه حكي مقدرًا غير مذكور.

والثاني: أنه أثبت العلامة في الوصل وحقها ألا تثبت إلا في الوقف.
انتهى (1). وحكى يونس أن هذا مذهب لبعض العرب فإنهم يثبتون الزوائد وصلًا في الحكاية بمن فيقولون: منو يا فتى غير منون، وكذا منا ومني، ويكسرون نون المثنى ويفتحون نون الجمع ومنه قوله: فقلت منون أنتم................................ (2)

جارٍ التحميل