الشاهد الثاني والأربعون بعد المائة والألف
3، 4
وَلَوْ أَن ما أَبْقَيتِ مِنِّي مُعَلَّقٌ... بِعَوْدِ ثُمَامٍ ما تَأَوَّدَ عُودُها
أقول: قائله هو أبو العوام بن عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى 5، ويقال: قائله هو الحسين بن مطر 6، ويقال: كثير عزة، والأول أصح، وهو من قصيدة طويلة من الطويل، وأولها هو قوله 7:
1 - وخُبِّرتُ لَيلَى بِالعِرَاقِ مَرِيضَةً... فَأَقبَلْتُ مِنْ مِصرَ إلَيهَا أَعُودُهَا
2 - فَوَالله مَا أَدرِي إذَا أَنَا جِئْتُهَا... أأُبْرِئُهَا مِنْ دَائِهَا أمْ أَزِيدُهَا؟
3 - ألا ليْتَ شِعْرِي بَعْدَنا هَلْ تَغَيَّرَتْ... مَلاحَةُ عَينَيْ أُمِّ عَمرٍو وَجِيدُهَا
إلى أن قال:
4 - رَفَعتُ عَنِ الدُّنيَا المُنَى غَيرَ وَجهِهَا... فَلَا أَسأَلُ الدُّنيَا ولَا أسْتَزِيدُهَا
5 - ولو أَنَّ.............................................. إلى آخره
وهذا البيت آخر أبيات القصيدة.
5 - قوله: "ثمام" بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم، وهو نبت ضعيف له خوص أو شبيه12
بالخوص، وربما حشي به وشد به خصاص البيوت، الواحدة ثمامة، وبه سمي الرجل ثمامة، يصف الشاعر به ضعف الثمام مخاطبًا لمحبوبته مدعيًا بأنها لم تبق منه إلا شيئًا يسيرًا لو علق بعود ثمام ما اعوج مع ضعفه لكون ذلك الشيء حقيرًا جدًّا، وهذا كناية عن غاية فنائه في محبتها وأنه لم يبق فيه شيء ينتفع به، قوله: "ما تأود " أي: ما تعوج، وأصله من أود الشيء بالكسر يأود أودًا إذا اعوج.
الإعراب:
قوله: "ولو أن" الواو للعطف، ولو للشرط، وأن: من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "ما أبقيت مني" اسمه، وقوله: "معلق": خبره، والجملة في محل الرفع على الفاعلية لأن تقدير الكلام: ولو ثبت أن ما أبقيت مني معلق، وقوله: "ما" يجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف تقديره: ما أبقيته مني، و "مني": في موضع الحال من الضمير، ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: ولو ثبت أن بقائي الذي أبقيته معلق، قوله: "بعود" يتعلق بقوله "معلق"، وهو مضاف إلى ثمام، وقوله: "ما تأود عودها": جملة من الفعل والفاعل وقعت جوابًا للو.
الاستشهاد فيه:
في وقوع خبر "أن" بعد "لو" اسمًا، وبه رد ابن الناظم على الزمخشري بقوله: وزعم الزمخشري أن خبر "أن" بعد "لو" لا يكون إلا فعلًا 1، وهو باطل بنحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: 27]، وبنحو قول الشاعر:
ولَوْ أَنَّ مَا أبْقَيتِ................................... إلخ 2
ووافقه على ذلك ابن الحاجب 3، وقال: إنما ذلك في الخبر المشتق لا الجامد كالذي في الآية، وفي قوله 4:
ما أطْيَبَ العَيشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ... تَنبُو الحَوَادِثُ عَنهُ وهْوَ مَلْمُومُ
وقوله 1:
وَلَوْ أَنَّهَا عُصْفُورَةٌ لَحَسِبتَهَا... مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيدًا وَأَزْنَما
وقال ابن مالك رادًّا عليه، وقد جاء اسمًا مشتقًّا في قوله 2:
ولَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكَ الفَلَاحِ... أَدْرَكَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ 3
وقال ابن هشام: وقد وجدت آية في التنزيل وقع فيها الخبر اسمًا مشتقًّا ولم يتنبه لها الزمخشري كما لم يتنبه لآية لقمان، ولا ابن الحاجب، وإلا لما منع من ذلك، ولا ابن مالك، وإلا لما استدل بالشعر، وهي قوله تعالى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب: 20] 4.
وقد رُد على ابن هشام بأن هذه الآية ليست من هذا الباب؛ لأن ابن الحاجب قد ذكر في منظومته أن لو في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ للتمني وليست للشرط، وإنما هي بمثابة الزائد.
والمعنى: يودون أنهم بَادُونَ نحو: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]،
فمن ذلك لم يلتزم فيها ما التزم في الشرطية (1).