الشاهد الثاني بعد السبعمائة
1، 2 سَبَقُوا هَوَيَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ... فَتُخَرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ أقول: قائله هو أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خالد بن خويلد، وقد ترجمناه فيما مضى، وهو من قصيدة عينية طويلة من الكامل، وأولها هو قوله 3: 1 - أَمِنَ المنُونِ وَرَيْبهَا تَتَوَجَّعُ... والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِب مَنْ يَجْزَعُ 2 - قَالت أُمَامَةُ مَا لجِشِمِكَ شَاحِبًا... مُنْذُ ابْتَذَلْتَ وَمِثْل مالِكَ ينفعُ 3 - أَمْ مَا لِجَنْبِكَ لا يُلَائِمُ مضْجَعَا... إلا أَقَضَّ عَلَيْكَ ذَاكَ المَضْجَعُ 4 - فَأَجَبْتُهَا أن مَا لِجِسْمِي أنَّهُ... أَوْدَى بني من البِلَادِ فَوَدّعُوا 5 - أَوْدَى بَنِيَّ فَأَعْقَبُونِي حَسْرَةً... بَعْدَ الرّقَادِ وَعبرة ما تَقْلَعُ 6 - فَالْعَينُ بَعْدَهُمْ كأَنَّ حِدَاقَهَا... كحّلتْ بِشَوْك فَهْيَ عُور تَدْمَعُ 7 - سبقوا................................... إلخ 8 - فغبرت بَعْدَهُمْ بِعَيْشِ نَاصِبٍ... وَإِخَالُ أَنِّي لَاحِقٌ مُسْتَتْبعُ 9 - وَلَقَدْ حَرِصْتُ بِأَنْ أُدَافِعَ عَنْهُم... فَإِذَا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لَا تُدْفَعُ
10 - وَإِذَا المِنيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ
11 - وتَجَلُّدِي للشامتين أُرِيهُمُ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
12 - حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ... بِصَفَا المُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
13 - وَالدَّهْرُ لَا يَبْقِي عَلَى حَدَثَانِه... جَوْنُ السَّحَابِ لَهُ جَدَائدُ أَرْبَعُ
وكان أبو ذؤيب هلك له بنون خمسة في عام واحد، أصابهم الطاعون وكانوا هاجروا إلى مصر فرثاهم بهذه القصيدة.
1 - قوله: "أمن المنون" أي: الموت، قال الأخفش: المنون واحد لا جماعة له، قوله: "وريبها" أي: ريب المنون، وروى الأصمعي: وريبه، وقال هكذا ينشد، وذكر المنون هاهنا والمنون يذكر ويؤنث، وقول الأصمعي أرجح لقوله:
................................. والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ
والدهر هاهنا الموت، وحكى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24] أي الموت، والله أعلم.
و"الريب": من رابني الدهر وأرابني، وريبه: ما يأتي به من الفجائع والمصائب، و "التوجع": التفجع، و"المعتب": من الإعتاب، يقال: عاتبته فأعتبني، أي رجع عما أكره إلى ما أحب.
2 - قوله: "أمامة" ويروى: أميمة، و "الشاحب" بالشين المعجمة والحاء المهملة، هو المتغير المهزول، "منذ ابتذلت" أي: منذ وليت العمل وامتهنت نفسك، و "الابتذال": العمل والكد.
قوله: "ومثل ما لك ينفع" أي: مثل ما لك ينبغي لك أن تودّع نفسك به، وقال الأصمعي: معناه: إن كان مات من كان يكفيك من بنيك، فمثل مالك يشتري به من يكفيك ضيعتك فاتخذ من يكفيك وأقم وودع نفسك.
3 - قوله: "لا يلائم" أي: لا يوافق، قوله: "إلا أقض" بالضاد المعجمة، أي: صار تحت جنبك على مضجعك مثل قضض الحجارة وهي حجارة صغار.
4 - قوله: "أن ما لجسمي" قال الأخفش: ما صلة إنما هو أن لجسمي أن الأولى في موضع [خفض]، والثانية في موضع رفع، والمعنى: فأجبتها أن الذي لجسمي إيداء بني، والإيداء الهلاك، أودى يودي إيداء.
5 - قوله: "فأعقبوني" أي: أورثوني، قوله: "ما تقلع": من الإقلاع.
6 - قوله: "حداقها": جمع حدقة، قوله: "كحلت" ويروى: سملت، يعني: غرزت بشوك، و "العور" بضم العين؛ جمع أعور.
7 - قوله: "هويَّ" لغة هذيل؛ يعني: هواي، وجميع المقصور يفعل به هكذا عندهم 1، قوله: "وأعنقوا" يعني: تبع بعضهم بعضًا، قوله: "فتخرموا" على صيغة المجهول من الماضي وهو بالخاء المعجمة، أي: أخذوا واحدًا واحدًا، تقول: مضوا للموت وتخرمتهم المنية، قوله: "ولكل جنب مصرع" معناه: كل إنسان يموت.
8 - قوله: "فغبرت" بالغين المعجمة؛ أي: بقيت 2 ويروى فلبثت.
قوله: "ناصب": من نصب العيش ينصب نصوبًا إذا اشتد، قوله: "وإخال" أي: أظن، وهو بمعنى اليقين هنا، قوله: "مستتبع" أي: مستلحق.
10 - قوله: "أنشبت أظفارها": جمع ظفر، أراد أن المنية لا تفارق؛ كالسبع إذا أخذ لا يفارق حتى يعض، قوله: "ألفيت" أي: وجدت؛ من الإلفاء، و "التميمة": المعاذاة وهي العوذة، فلا تنفع العوذ والرقى إذا جاءت المنية.
11 - قوله: "لا أتضعضع" أي: لا أتكسر.
12 - قوله: "مروة بصفا المشرق": شبه نفسه بالحجر، يقول: كأنما أنا مروة في السوق تقرعها أقدام الناس، ومرورهم بها للمصائب [التي] 3 تمر لي فتقر عيني كل يوم.
و "المروة": الحجارة البيض ملء الكف، و "الصفا": الصخرة العريضة، و "المشرق" بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وفي آخره قاف، قال الأصمعي: هو المصلى ومسجد الخيف هو المشرق، قال أبو عبيدة: المشرق سوق الطائف، وقال الباهلي: هو جبل البرام، ويروى: بصفا المشقر بتقديم القاف على الراء، قال [ابن] (4) الأعرابي: هو حصن بالبحرين بهجر، والصفا موضع آخر.
13 - قوله: "جون السحاب" ويروى: جون السراة، وظهر كل شيء: سراته، وأعلى الظهر: السراة، قوله: "جدائد" بالجيم؛ جمع جدود، وهي النعجة التي لا لبن لها من غير بأس، قال الأصمعي: الجدائد: الأتن التي قد جفت ألبانها، واحدتها جدود، وامرأة جداء: لا ثدي لها، والمعنى: لئن هلك بنيَّ وأصابني ما أصابني بعدهم فالدهر لا يبقي على حدثانه.
الإعراب:
قوله: "سبقوا": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي يرجع إلى بني أبي ذؤيب الذين هلكوا في عام واحد، وقوله: "هويّ": كلام إضافي مفعوله، قوله: "وأعنقوا" أيضًا جملة من الفعل والفاعل معطوفة على الجملة الأولى، وقوله: "لهواهم": في محل النصب على المفعولية.
قوله: "فتخرموا" الفاء للتعقيب مع ما فيه من معنى السببية، قوله: "ولكل جنب": كلام إضافي في محل الرفع على أنه خبر لقوله: "مصرع"، ومحل الجملة النصب على الحال، والأَوْلى أن تكون الواو هاهنا للاستئناف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "هويّ" حيث قلب فيه ألف المقصور ياء، وأُدغمت الياء في الياء؛ لأن أصله: هواي، وهذا لغة هذيل فإنهم يفعلون ذلك في كل مقصور (1).