الشاهد الثامن والستون
3, 4 كَمُنْيَةِ جَابِر إِذْ قَال لَيْتِي... أصَادِفُة وَأفْقِدُ بَعْض مَالِي أقول: قائله هو زيد الخيل، وهو زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب بن عبد رُضَى، وكان رُضَى صَنَمًا لطيء بن مختلس بن ثور بن عدي بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان، وهو أسد بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهي طيء، سمي به؛ لأنه كان يطوي المناهل في غزواته ابن أدد وهو مذحج بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود النبي، - عليه السلام - 5, وكان زيد الخيل من المؤلفة قلوبهم ثم أسلم وحسن إسلامه، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد طيء سنة تسع، وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد الخير وأقطعه أرضين، وكان يكنّى أبا مكنف، وكان له ابنان: مكنف وحريث أسلما وصحبا النبي - صلى الله عليه وسلم - وشهدا قتال الردة مع خالد بن الوليد، ولما انصرف12
زيد من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذته الحُمّى، فلما وصل إلى أهله مات، قيل: توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - 1 وقبله:
1 - تَمَنَّى مَزْيَدٌ زَيْدًا فَلاقَى... أَخًا ثِقَةً إذا اخْتَلَفَ العَوَالِي
وهما من الوافر وفيه العصب والقطف.
1 - و "مزيد" بفتح الميم وسكون الزاي العجمة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة؛ وهو رجل من بني أسد وكان يتمنى لقاء زيد فلما لقيه طعنه زيد فهرب، وكذلك جابر كان عدوه، وكان يتمنى لقاءه فلما لقيه طعنه فهرب فقال زيد الخيل حينئذ: تمنى مزيد... إلخ، وإنما لم يقل تمناني مزيد؛ لأن زيدًا اشتهر بالشجاعة فكأنه قال: تمنى مزيد الشجاع المشهور؛ ولأن بين مزيد وزيد تجانسًا 2.
قوله: "العوالي": الرماح، واحدها العالية، قال الجوهري: عالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه 3.
2 - قوله: "كمنية جابر" المنية بضم الميم؛ المتمنى وهو في الأصل: الشيء المتمنى كالفرقة والأكلة، قوله: "أصادفه" يعني: أجده من قولهم: صادفت فلانًا إذا وجدته، والمعنى: تمني مزيد كتمني جابر حين، قال: ليتني أجد زيد الخيل في الحرب ولا أجد بعض مالي، وروى الجوهري: وأفقد جل مالي وهو الأحسن 4، ومن زعم أن بعضًا ترد بمعنى كل، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: 28]، وقول الأعشى 5:
قدْ يُدْرِكُ المُتَمَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ... وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
صح عنده حمل رواية الجماعة على ذلك فيكون أبلغ من رواية الجوهري إلا أن هذا القول مردود 6، ويروى: وأتلف بعض مالي موضع: وأفقد، ويروى: وأغرم 7.
الإعراب: قوله: "كمنية جابر": كلام إضافي في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: تمنى مزيد تمنيًّا كتمني جابر، قوله: "إذ" ظرف بمعنى حين، والعامل فيه المصدر، والضمير في (قال): يرجع إلى جابر، قوله: "ليتي أصادفه" مقول القول، واسم ليت مضمر متصل، وخبرها قوله: "أصادفه"، قوله: "وأفقد بعض مالي" بالرفع: جملة فعلية عطف على أصادفه؛ كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يكون فقد بعض ماله متمنيًا، وليس كذلك، والصحيح أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقدوره: وأنا أفقد بعض مالي، وتكون الواو للحال، وبعض منصوب بـ "أفقد" (1). ويقال: وأفقد منصوب؛ لأنه جواب التمني؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] (2). قلت: هذا لا يتمشى إلا إذا قرئ بالفاء: فأفقد (3)، ولكن يجوز نصبه بإضمار أن تقديره: ليتني أصادفه وأن أفقد بعض مالي (4). الاستشهاد فيه: في قوله: "ليتي" حيث جاءت مضافة إلى ياء المتكلم بدون نون الوقاية، وذلك لأجل الضرورة (5).