الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة
3، 4
بَنُونَا بَنُو أبنائِنا وَبَنَاتُنَا... بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأبَاعِدِ
أقول: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر على ما يأتي الآن، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله.
وهو من الطَّويل.12
المعنى: بنو أبنائنا مثل بنينا؛ فقدم الخبر وحذف المضاف، وبنو بناتنا أبناء الرجال الأباعد، أي الأجانب.
الإعراب:
قوله: "بنونا" أصله: بنون لنا؛ فلما أضيف إلى: "نا" المتكلم، سقطت النُّون وصار "بنونا"، وكذلك الكلام في: بنو أبنائنا [فقوله: "بنو أبنائنا": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "بنونا" مقدمًا خبره، والمعنى: بنو أبنائنا] 1 مثل بنينا؛ لأن المراد بالحكم علي بني أبنائهم بأنهم كبنيهم، وليس المراد بالحكم علي بنيهم كبني أبنائهم، قوله: "وبناتنا": كلام إضافي مبتدأ، قوله: "بنوهن": كلام إضافي -أَيضًا - مبتدأ ثان، وقوله: "أبناء الرجال": كلام إضافي -أَيضًا - خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وقوله: "الأباعد": صفة الرجال.
الاستشهاد فيه:
على جواز تقديم الخبر مع كونه مساويًا للمبتدأ؛ لقيام قرينة دالة على تعيين المبتدأ وتعيين الخبر 2 وذلك من المعلوم أن المراد ها هنا تشبيه بني الأبناء بالأبناء، لا تشبيه الأبناء بأبناء الأبناء، وقد علم أن الأصل: تقديم المبتدأ على الخبر؛ لأن المبتدأ عامل في الخبر، وحق العامل أن يتقدم كسائر العوامل، ولكن قد يتقدم الخبر على المبتدأ لقيام القرينة التي يتميز بينهما؛ كما في قولك: أبو يوسف أبو حنيفة فقهًا، فإن من المعلوم أن المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، لا تشبيه أبي حنيفة بأبي يوسف [رضي الله تعالى عنهما] 3 حتَّى لو قيل: أبو حنيفة أبو يوسف فقهًا.
لم يخف
المراد -أَيضًا - وكذلك: بنونا بنو أبنائنا 1، وقد يقال: إنه لا تقديم فيه ولا تأخير وإنه جاء على عكس التشبيه للمبالغة؛ فحينئذ لا استشهاد فيه كقول ذي الرمة غيلان 2: ورمل كأوراك العذارى قطعته............................ وقال الشيخ جمال الدين: كان ينبغي لابن الناظم أن يستدل بما أنشده والده في شرح التسهيل 3: قَبِيلَةٌ أَلْأَمُ الأَحْيَاءِ أكرَمُهَا... وَأَغْدَرُ النَّاسِ بِالجْيرَانِ وَافِيهَا إذ المراد الإخبار عن أكرمها بأنه ألأم النَّاس وعن وافيها بأنه أغدر النَّاس لا العكس 4 وفيه شاهدان وهذا البيت لحسان - رضي الله تعالى عنه، وقبله 5: 1 - أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلَهَا... أَنْ لَسْتُ هَاجِيهَا إِلا بِمَا فِيهَا 2 - وَشَرُّ مَنْ يَحْضُرُ الأَمْصَارَ حَاضِرَهُمْ... وَشَرُّ بَادِيَةِ الأَعْرَابِ بَادِيهَا 3 - تَبلَى عِظَامُهُمْ إما هُمُو دُفِنُوا... تَحْتَ التُّرابِ ولا تَبْلَى مَخَازِيهَا
وفي الأول من هذين البيتين شاهدان -أَيضًا - على ذلك، وأنشد ابن الناظم -أَيضًا - في هذا الباب (1):
جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيكَ وقد... يُعْدِي الصحاحَ مباركُ الجُرْبِ
"جانيك": خبر، و"من": مبتدأ، ومعناه: الذي تعود جنايته عليك من العاقلة هو الذي يكسبك، و"الصحاح": مفعول، و"مبارك": تمييز عن الفاعل، و"الجرب": فاعل يعدي.
والمعنى: قد تعدي الإبل الجرب الإبل الصحاح التي صحت مباركها (2)، وزعموا أن من خفض الجرب مخطئ، وزعم بعضهم أن ذلك رواية, وهذا عندي جيد، ويكون الشَّاعر أقوى كما أقوى في بيت آخر في القصيدة، والمعنى على ذلك حسن، والبيت لذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، وهو أول من أطال الشعر بعد مهلهل وقبله:
يَا كعبُ إنَّ أَخَاكَ مُنْحَمقٌ... فاشْدُدْ إِزَارَ أخيكَ يَا كعبُ
وبعده:
وَالحرْبُ قَدْ يَضْطَرُّ جَالِبُهَا... نحو المضِيقِ ودونَهُ الرَّحْبُ
وَلَرُبَّ مَأْخُوذٍ بذَنْبِ عَشِيرَةٍ... ونَجَي المقَارفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ (3)