الشاهد الثامن والثمانون
3، 4
عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الخيا... م إلا الثُّمَامُ وإلا العِصِيّ
أقول: قائله هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، وخالد هو ابن المُحَرّث بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث 5 بن تميم بن سعد بن هذيل، كان مسلمًا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يره.
ولا خلافَ أنه جاهلي إسلامي تُوُفِّيَ في خلافة عثمان -رضي اللَّه تعالى عنه- بطريق12
مكة فدفنه ابن الزبير -رضي الله عنهما-، وقيل: إنه مات بمصر منصرفًا من إفريقية، وكان غزاها مع عبد الله بن الزبير، وقيل: إنه مات بأرض الروم في الغزاة ودُفن هناك، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ندبه إلى الجهاد، فلم يزل يجاهد حتى مات بأرض الروم، فدفنه ابنه عبيد اللَّه، وهو من قصيدة يائية، وأولها قوله:
1 - عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الدُّوى... يَزْبُرُهُ الكَاتبُ الحِمْيَرِيُ
2 - بِرَقْمٍ وَوَشْيم كَمَا زَخْرَفَتْ... بِمَيشَمِهَا المُزْدَهَاةُ الهَدِيُ
3 - أَدانَ وَأَنْبَأَهُ الأوَّلونَ... بأن المُدَانَ مَلِيٌّ وَفِيُ
4 - فَنَمْنَمَ فِي صُحُفٍ كالرِّيَا... ط فيهِنّ إرْثُ كِتَاب مَحِيُ
5 - عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الخيا... م إلا الثمَامُ وإلا العِصِي
6 - فلم يبقَ منها سِوى هَامدٍ... وسَفْع الحُدُودِ مَعًا والنؤيُ
7 - وأشعَثَ في الدَّارِ ذِي لِمَّة... لَدَى إرْثِ حَوْضٍ نَفَاهُ الأَثِيُ
8 - كَعُوذِ المُعَطَّفِ أحْزَى لها... بمصْدَرِةِ الماءِ رأمٌ رَذِيُ
9 - فَهُنّ عُكُوفُ كنَوْحِ الكريـ... ـم قد لاح أكبادَهُن الهَويُ
10 - وأنسى نُشَيبَةَ والجاهلُ... المغمَّرُ يَحْسَبُ أني نَسِيُ
11 - على حين أَنْ تَمَّ فيه الثلا... ثُ حَدٌّ وَجُوُد ولُبٌ رَخِيُ
12 - ومن خير ما عَمِلَ النِاشِئُ الـ... ـمُعَمَّمُ خِيرٌ وزنْدٌ وَرِيُ
13 - وصبرٌ على حَدَثِ النَّائِبَا... تِ وحلمٌ رَزِينٌ وقَلْبٌ ذَكِيُ
14 - يَسُرُّ الصديقَ وَيُبِكي العدوّ... ومردى حروب رضي نديُ
وهي من المتقارب وأصله في الدائرة "فعولن" ثمان مرات؛ وفيه الثلم بالثاء المثلثة؛ وهو أن تخرم سالمًا، والخرْم: أن تسقط أول الوتد المجموع في أول البيت، والسالم: الجزء الذي لا زحاف فيه فيصير: عولن فيرد إلى فعلن.
وهذه القصيدة تروى مطلقة مرفوعة، وتروى مقيدة ساكنة، فمن أطلقها كانت من الضرب الأول ووزنه فعولن، ومن قيدها كانت من الضرب الثاني وهو المحذوف.
1 - قوله: "كرقم الدوى" الرقم: الكتابة، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: 20] والدُّوى بضم الدال؛ جمع دوى، وهو جمع دواة، وهو ما يكتب منها.
وذكر صاحب الاقتضاب 1 أن
جمع دَوَاةٍ دَوَيَات؛ كما يُقَالُ: قَنَاةُ وقَنَوَات، ويقال: دَوَاةٌ وَدُوي؛ كما يقال: قناة وقُنيّ ثم قال: وزن دواة من الفعل فعلة، وأصله: دَوَيَة، تحركت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا، ويدل على أن لامها ياء قولهم في جمعها: دويات، وقال أيضًا: اشتقاق الدواة من الدواء؛ لأن بها صلاح أصر الكاتب؛ كما أن بالدواء صلاح أمر الجسد، ويقال للذي يبيع الدواة دَوّاء؛ كما يقال لبائع الحِنْطة حَنَّاط، والذي يعملها مُدَوٍّ؛ كما يقال: للذي يعمل القناة مُقَنٍّ، وللذي يحملها داوٍ؛ كما يقال للذي يحمل السيف سائف 1. قوله: "بزِبْرِه" أي: يكتبه من زَبَر يَزْبُر زَبْرًا إذا كتب، ومنه الزبور: جمع زِبر بكسر الزاي، وهي الكتابة، و "الحميَرِيّ" نسبة إلى حِميَر، وهو قبيلة.
2 - قوله: "ووشم" أي نقش، و"زخرفت" أي: زينت، و "الميشم" بكسر الميم: إبرة تضرب بها المرأة في يدها وكفها ثم تجعل عليها النؤور، قوله: "المزدهاة" بضم الميم وسكون الزاي المعجمة؛ وهي التي استخفها عجب بنفسها، و"الهدي": العروس التي هُديت إلى زوجها.
3 - قوله: "أدان" أي باع بيعًا إلى أجل فصار له دَين على الناس، قوله: "وأنبأه الأولون" أي الناس الأولون، و "المدان": بضم الميم الذي عليه دين.
4 - قوله: "فنمنم"، أي: نقش، والنمنمة: النقش، ويروى: فينظر في صحف، أي: هذا الحميري ينظر في صحف من عليه دَين، "كالرياط" بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وهي الملاية 2 التي لم تلفق نسجت وحدها، وكل ملاءة لم تلفق فهي ريطة.
5 - قوله: "على أطرِقا" بفتح الهمزة وسكون الطاء وكسر الراء وهو اسم علم على مفازة 3 من أطرق إذا سكت ونظر إلى الأرض سميت بذلك؛ لأن السالك فيها يقول لصاحبيه أَطْرقا مخافة ومهابة.
وقال ابن يعيش: أطرقا اسم بلد، قال الأصمعي سمي به أطرق، أي اسكتا كأن ثلاثة، قال أحدهم لصاحبيه أطرقا أي اسكتا لنسمع، فسمي المكان أطرقا 4.
قوله: "باليات" جمع بالية، من البلى بكسر الباء الموحدة، يقال: بلى يبلي إذا خلق، و "الخيام" جمع خيمة، و"الثمام" بضم [الثاء] 5 المثلثة وخفيف الميم؛ نبت يحشى به فُرَج البيوت، = منها: الاقتضاب في أدب الكتاب، واصلاح الخلل، والحلل في شرح أبيات الجمل، وغير ذلك (ت 521 هـ). بغية الوعاة (2/ 55).
وأراد به: ما يستر به جوانب الخيمة، و "العصى" بكسر العين؛ جمع عصا، وأراد بها: قوائم الخيمة.
المعنى: عرفت ديار المحبوبة كأنها مرقومة رقمها الكاتب الحميرى، يعني: صَفُرَتْ وانْدَرَسَتْ آثَارُهُا وعَرَفْتُ دِيَارَهَا على هذهِ المفازة قد بلِيَتْ خِيامُها إلا ثُمَامها وعصيّها، فإنها بقيت وما بَلِيَتْ.
6 - قوله: "هامد" بكسر الميم، وهو الرماد، و "السُّفْع" بضم السين المهملة وسكون الفاء وفي آخره عين مهملة؛ وهي الأثافي [قد] 1 سفعتها النار؛ أي غيرتها، قوله: "والنَؤِيّ" بضم النون وكسر الهمزة؛ جمع نؤى بضم النون وسكون الهمزة؛ وهي حفرة 2 تحفر حول الخيام لتدفع المطر.
7 - و "الأشعث": المغبر الرأس، [وأراد به ها هنا: الوتد] 3، و "اللمة" بكسر اللام؛ الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي: الجمة، قوله: "لدى إرث حوض" أي: عند أصْل حوض.
8 - قوله: "كعوذ المعطف" 4 العوذ من الإبل: الحديثات النتاج، وهو بضم العين المهملة وسكون الواو وفي آخره ذال معجمة؛ جمع عائذ مثل: حائل وحول، ويجمع أيضًا على عُوذان مثل راع ورعيان، و"المعطف": الذي يعطف.
قوله: "أحزى" أي: أشرف لها، قوله: "بمصدره" الماء؛ حيث تصدر عن الماء، و "أحزى" بالزاي المعجمة، و "الرأم": ولد الرذيُ، وهو الملقي الضعيف.
كذا فسره الباهلي 5، ويقال: رأم بسكون الهمزة، وقال الجوهري: الرَّذِيّةُ: الناقَةُ المَهْزُولَةُ في السير، والجمع: الرَّذِايَا، والذكَرُ الرَّذِي بفتح الراء وكسر الذال المعجمة وتشديد الياء 6.
9 - قوله: "عكوف" أي: قد عكفن على الرأم؛ أي كما يعكف النواح على الميت، و"الهَويّ" 7 هو الرجل إذا وقع في هلكة، والمعنى: أن أكبادهن قد هوت للحزن.
10 - قوله: "وأنسى" يريد: لا أنسى نَشِيبَةً، و"المغمر": الذي لم تحكمه الأمور ولم يجربها،
و"نشيبة" بنت عمه.
11 - قوله: "حد" أي: بأس، "وجود" أي: عطاء 1، و "لب رخي" أي: صدره واسع.
12 - و "الناشئ" الشاب، و"المعمم المسود" الذي عمه القوم أمرهم، و "الخير": الكرم، و"الزند": الذي تخرج منه النار، و "الوري": السريع الإخراج للنار.
الإعراب:
قوله: "على أطرقا": جار ومجرور يتعلق بقوله: "عرفت"، وموضعها النصب على الحال من الديار، والتقدير: عرفت الديار على أطرقا، أي: في هذه الحال، قوله: "باليات الحيام": نَصْبٌ على الحال من الديار، وليس ذلك من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، بل هو من قبيل إضافة البيان نحو قولهم: أخلاق ثياب، ويجوز رفع باليات على الابتداء، وخبره قوله: "على أطرقا"، قوله: "إلا الثُّمَامُ وإلا العصي" استثناء منقطع، لأنه من موجب 2.
ويروى: إلا الثمام 3 بالرفع والنصب، فمن نصبه فلا إشكال فيه؛ لأنه استثناء من موجب كما ذكرناه، ومن رفع فعلى الابتداء، والخبر محذوف والتقدير: إلا الثمام وإلا العصي لم تُبلَ، ومن نصب الثمام ورفع العصي، فإنه يحمله على المعنى، وذلك لأنه لما قال: بليت إلا الثمام، كان معناه: بقي الثمام فعطف على هذا المعنى، ويروى برفعهما من باب الإتباع على المعنى دون اللفظ نحو: أعجبني ضرب زيد العاقل، برفع العاقل، أو يكونان بدلين على اللغة القليلة 4.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "على أطرقا" فإنه اسم علم منقول من فعل الأمر؛ كما ذكرناه 5.