المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة

الشاهد الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة

2، 3 أَلَا رَجُلًا جَزَاهُ اللهُ خَيرًا... يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ أقول: هذا أنشده سيبويه في كتابه 4، ولم يعزه إلى قائله، وبعده 5: تُرَجِّلُ لِمَّتِي وَتَقُمُّ بَيتي... وَأُعْطِيهَا الإِتَاوَةَ إنْ رَضِيَتْ وأنشد الأزهري 6 هذين البيتين، وقال: هما لأعرابي أراد أن يتزوج امرأة بمتعة 7.1

وهما من الوافر فيهما العصب والقطف.
1 - قوله: "محصلة" بكسر الصاد المشددة، قال الجوهري: المحصلة: المرأة التي تحصل بن الذهب تراب المعدن 1، وقال ابن فارس: وأصل التحصيل: استخراج الذهب من حجر المعدن وفاعله المحصل، ثم أنشد البيت المذكور 2. قوله: "تبيت" بفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره تاء مثناة من فوق، وأصله من تبيت تفعل، كما يقال: بات يفعل كذا إذا فعل بالليل، كما يقال ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار، ويقال: تبيت بضم التاء، من أبات يبيت من باب الإفعال، يقال: غابت فلانة عن منزلها فتبيتنا عندها، ويقال: معناه: تكون لي بيتًا، أي: امرأة بنكاح، والبيت النكاح.
وقال ابن هشام اللخمي في كتاب شرح أبيات الجمل: هي تبيث بثاء مثلثة، والعرب تقول بثت الشيء بوثًا وبثته بيثًا إذا استخرجته، فأراد امرأة تعينه على استخراج الذهب وتخليصه من تراب المعدن، وفسره الأعلم على ما وقع في كتاب سيبويه فقال: طلبها للمبيت إما للتحصيل وإما للفاحشة 3. وكلاهما قد وَهِما لعدم اطلاعهما على ما بعد البيت، فإن الثاني على التاء المثناة من فوق فبالضرورة يكون الأول كذلك، وأيضًا، قوله: "ترجل" إلى آخره: خبر لقوله [تبيت، والبيت الثاني متعلق بالأول، وفيه التضمين وهو من عيوب الشعر 4. 2 - قوله:] 5 "ترجل" بالجيم؛ من رجلت شعره ترجيلًا إذا سرحته وأصلحته، و "اللمة" بكسر اللام وتشديد الميم، الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة، و "الإتاوة" بكسر الهمزة؛ الخراج.
الإعراب: قوله: "ألا" الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية ولكن المراد بها العرض ولا يليها إلا الفعل إما ظاهرًا أو مقدرًا، وهاهنا مقدر، وهو الذي نصب الرجل؛ وذلك لأن تقدير الكلام: ألا ترونني رجلًا جزاه الله خيرًا، فحذف الفعل مدلولًا عليه بالمعنى، ويقال: إنه محذوف على شريطة التفسير، أي: ألا جزى الله رجلًا جزاه الله خيرًا، على هذا الوجه تكون ألا للتنبيه.

وقال يونس: ألا هاهنا للتمني، وإنما نون الشاعر الاسم للضرورة 1، وفيه نظر؛ لأنه لا ضرورة في إضمار الفعل بخلاف التنوين، ويروى: "ألا رجل" بالجر؛ على تقدير: ألا من رجل، وأنشده ابن فارس في كتابه: "ألا رجلٌ" بالرفع، ثم قال: رواه الأخفش "ألا رجلًا"، وقال هو إما ضرورة وإما على: هات لي رجلًا 2. فإن صحت رواية الرفع يكون وجهه أن يكون مرفوعًا بالابتداء، وتخصص بتقديم الاستفهام عليه، وخبره قوله: "يدل على محصلة"، وأما في حال انتصابه فيكون "بدل" 3 صفة للرجل، وجزم الجوهري بوجه الرفع بأن يكون فاعلًا بفعل محذوف يفسره يدل 4، ووجه الجر أضعف الوجوه لإعمال الجار محذوفًا ويزيده ضعفًا كونه زائدًا، ونظيره في الضعف قوله 5: .......................... وَنَهْنَهْتُ نفسِي بعدَما كدت أَفْعَلَهْ على قول سيبويه: إن التقدير: أن أفعله؛ لأن "أن" وإن كانت غير زائدة لكن دخولها في خبر كاد قليل 6. قوله: "جزاه الله خيرًا": جملة دعائية ولا محل لها من الإعراب، قوله: "على محصلة" يتعلق بقوله: يدل؛ أي على امرأة محصلة، قوله: "تبيت": جملة من الفعل والفاعل وهو اسمه، وخبره هو قوله: "ترجل" إلى آخره في البيت الثاني كما ذكرناه، وقيل: إن محلها نصب على الحال، فإن صح فوجهه أن يكون حالًا منتظرة.
الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا رجلًا" حيث وقعت ألا هاهنا للعرض والتحضيض، ومعناهما: طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث فافهم 7.

جارٍ التحميل