الشاهد الثالث والخمسون بعد المائتين
2، 3
سقَاها ذَوُو الأحلام سَجْلًا على الظَّمأ... وقد كَرَبَت أعْنَاقُهَا أَن تَقَطّعا
أقول: قائله هو أبو زيد الأسلمي، وهو من قصيدة عينية، وأولها هو قوله 4:
1 - مَدَحْتُ عروقًا لِلنَّدى مَصَّتِ الثرى... حَدِيثًا فَلَمْ تَهْمُمْ بِأَنْ تَتَزَعْزَعَا
2 - نَقَائِذَ بُؤْسٍ ذَاقتِ الفَقْرَ والغِنَى.. وحَلَّبتِ الأيَّامَ والدَّهْرَ أَضْرُعَا
3 - سقاها.................................................. إلى آخره
4 - بِفَضْلِ سِجالٍ لَوْ سَقَوْا مَنْ مَشَى بِهَا... على الأرضِ أرْوَاهُمْ جَمِيْعًا وأَشْبَعَا
5 - فضمَّتْ بأيديها على فَضْلِ ما بها... مِنَ الريِّ لما أَوْشَكَتْ أن تَضَلَّعا
6 - وزهَّدَها أَنْ تَفْعل الخَيْر في الغِنَى.... مُقَاسَاتُها مَنْ قَبْلَنا الفَقْرَ جُرَّعَا
وهي من الطويل.
وقصة هذا ما ذكره المبرد في الكامل 5، وهو أن أبا زيد قصد المدينة يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو والي المدينة، فصحبه في الطريق أبو وجزة السلمي المعروف بالسعدي، وكان يريد آل الزبير في المدينة، فقال أبو وجزة: هلمَّ فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد: كلّا، أنا أمدح الملوك وأنت تمدح السوقة، فلما دخلا1
المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده 1:
يا ابن هشام يا أخا الكرام........................................
فقال له إبراهيم: وإنما أنا أخوهم وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط، وامتدح أبو وجزة آل الزبير، فكتبوا له بستين وسقًا من تمر، وقالوا: هي لك في كل سنة فانصرفا، فقال أبو زيد القصيدة المذكورة يهجوه بها ويصفه بأنه لم يزل في ضر وبؤس حتَّى أنقذه ذو رحمه هشاء فجعله ملكًا بعد أن كان سوقة، وأنه كلما تذكر ما كان فيه تشدد وبخل، وقال أبو وجزة 2:
1 - رَاحَتْ رَوَاحًا قَلُوصي وهْيَ حَامدَةْ... آلَ الزُّبَيرِ فلم تَعْدِلْ بِهِمْ أَحَدا
2 - رَاحَتْ بستِّينَ وَسْقًا في حَقِيبَتَها... ما حَملَتْ حَمْلَها الأدْنَى ولا البددا
3 - مَا إِنْ رَأَيْتُ قَلُوصًا قَبلَها حَمَلَتْ... ستِّين وَسْقًا ولا جَابَتْ بهِ بَلَدا
4 - ذَاكَ القِرى لَا قِرَى قَوْمٍ رَأَيْتُهُمُ... يَقْرُون ضيفَهُمْ المَلْويَةَ الجُدُدا
1 - قوله: "مدحت عروقًا للندى مصت الثرى حديثًا" قال المبرد: فإنما عني أن إبراهيم وأخاهُ مُحمدًا إنما تطعما بالعيش ودخلا في النعمة وخرجا من حد السوق إلى حد الملوك حديثًا وذلك بهشام بن عبد الملك؛ لأنهما كانا خَاليْهِ فإنما وَلَّاهُمَا عن خمول.
قوله: "فلم تهمم بأن تتزعزعا" فإنما هذا مثل يقال: فلان يهتز للندى ويرتاح لفعل الخير والتزعزع: التحرك، والمراد به هنا التحرك لفعل الخير.
2 - قوله: "نقائذ بؤس": جمع نقيذة؛ أي: أُنْقِذَتْ مما كانت فيه من البؤس، ويقال: نقيذة للذكر والأنثى بالتاء؛ فالتاء للمبالغة لا للتأنيث، قوله: "أضرعًا" بضم الراء؛ جمع ضرع، يقال: حلب الدهر أشطره، أي: قاسى شدته ورخاءه وجَرَّبَهُمَا.
3 - قوله: "سقاها " الضمير المنصوب فيه يرجع إلى العروق المذكورة في أول القصيدة، و"ذوو الأحلام": أصحاب العقول، ويروى: "ذوو الأرحام"، قوله: "سَجْلًا " بفتح السين المهملة وسكون الجيم؛ وهو الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة سجل، ويجمع على سجال، ويقال: السجل كالدلو والغرب 3، وزنًا ومعنى وبمعناهن الذنوب، والدلو خاصة يؤنث والغرب مُخْتَصٌّ 4 بالكبير من الدلاء.
قوله: "على الظمأ" من ظمئ ظمأ إذا عطش، قال الله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: 120] والاسم الظمء بالكسر، قوله: "أن تقطعا" أيله: أن تتقطعا فحذفت إحدى التائين فيه للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14] أصله: تتلظى، وتقطع أعناقها إما لشدة العطش أو للذل الَّذي هي فيه.
قوله: "قلوصي" القلوص: الشابة من النوق، والحقيبة: الوعاء التي يَجعَل فيها الراكب متاعَهُ وأثَاثَهُ، قوله: "ولا جابَتْ" من الجوب -بالجيم وهو القطع، والقِرى -بكسر القاف: الضيافة من قريت الضيف إذا أحسنت إليه، قوله: "الملوية الجددا" أراد بها السياط.
الإعراب:
قوله: "سقاها": جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "ذوو الأحلام": فاعل، قوله: "سجلًا" مفعول ثان لقوله سقاها، قوله: "على الظمأ" يتعلق بقوله: سقاها، قوله: "وقد كربت" الواو فيه للحال، وكربت: من أفعال المقاربة، و "أعناقها": اسمه، و"أن تقطعا": خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن تقطعا"؛ حيث جاء بأن وهو خبر كرب كما ذكرنا ولا يجيء ذلك إلا في الضرورة (1)، وقد زعم سيبويه أن خبر كرب لا يقترن بأن وفيه رد عليه.
فافهم (2).