الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة
1, 2
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ إِلَى أُمِّ مَعْمَرٍ... سَبِيلٌ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فَلا صَبْرَا
أقول: قائله هو ابن ميادة، واسمه الرماح، وقد ترجمناه فيما مضى 3، وهو من قصيدة رائية يتشبب فيها بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة، وكان أبوها حلف أن لا يخرجها إلى رجل من عشيرتها ولا يزوجها بنجد، فقدم عليه رجل من الشام فزوجه إياها، فلقى عليها ابن ميادة شدة فأتاها ينظر إليها عند خروج الشامي بها، قال: والله ما ذكرت منها جمالًا بارعًا ولا حسبًا مشهورًا لكنها كانت أكسب الناس لعجب، فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول:
1 - أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ إِلَى أُمِّ مَعَمَرٍ... سَبِيلٌ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فَلا صَبْرَا
2 - أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ يَحُلَّنَّ أَهْلُنَا... وأَهْلُكَ روضاتٍ ببطن اللِّوَى خضرَا
3 - وهل تأتينَّ الريحُ تَدْرُجُ مَوْهِنًا... بِرَيَّاكِ تَعْرَوْرَى بهَا بلدًا قَفْرَا
4 - بريح خزاميّ الرمل بات مُعَانِقًا... فروع الأقاحي تَنْصُبُ الطَّلَّ والقَطْرَا
5 - فلوْ كانَ نذْرٌ مدنِيًّا أم جَحْدَرٍ... إِلَيَّ لقدْ أَوْجَبْتُ في عُنْقِنَا نَذْرَا
6 - ألا لا تلطّى الستر أم جحدرٍ... كفى بذُرَى الأعلامِ مِنْ دونِهَا سِتْرَا
7 - لعمرِى لئنْ أَمْسَيْتِ يا أمَّ جحدرٍ... نأيْتِ فَقَدْ أبديتِ في طَلَبِي عُذْرَا
8 - فَبَهْرًا لِقَوْمِي إِذْ يَبِيعُونَ مُهْجَتِي... بِغَانِيَة بهرًا لهمْ بعدَهَا بَهْرَا
وهي من الطويل.
2 - قوله: "ببطن اللوى" بكسر اللام؛ وهو موضع.
3 - قوله: "تدرج" أي: تمضي، "موهنًا" وهو بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، وهو نحو من نصف الليل، وكذلك الوهن، قوله: "بريَّاك تعرورى" [أي: تأتي وتصيب] 4.
4 - قوله: "الأقاحي": جمع أقحوان -بضم الهمزة؛ وهو البابونج، وهو نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر.
6 - قوله: "ألا لا تلطى": من لط بالأمر يلط لطًّا إذا لزمه، ولططت الشيء ألزقته، ويجوز أن يكون من ألظ بالظاء المعجمة، يقال: ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وعن أبي عمرو يقال: هو ملظٍّ بفلان لا يفارقه 1.
8 - قوله: "فبهرًا لقومي" أي: تعسًا لهم، وقال الجوهري: قال أبو عمرو: يقال: بهرًا له؛ أي: تعسًا له، قال ابن ميادة:
تَفَاقَدَ قَوْمِي إذْ يَبيعُونَ مُهْجَتِي... بِجَارِيَة بَهْرًا لَهُمْ بَعْدَهَا بَهْرًا 2
الإعراب:
قوله: "ألا ليت شعْري" ألا: للتنبيه تدل على تحقق ما بعدها، وليت: للتمني يتعلق بالمستحيل غالبًا 3، وقوله: "شعري": اسمه، وخبره محذوف؛ وذلك لأن شعري مصدر شعرت أشعر شعرًا وشِعرًا إذا فطن وعلم، ولذلك سمي الشاعر شاعرًا كأنه فطن لما خفي على غيره، وهو مضاف إلى الفاعل.
والمعنى: ليت علمي يعني: ليتني أشعر، فأشعر هو الخبر، وناب شعري الذي هو المصدر عن أشعر، ونابت الياء التي في شعري عن اسم ليت الذي هو في قولك: ليتني.
قوله: "هل": للاستفهام، قوله: "سبيل": مبتدأ، وخبره قوله: "إلى أم معمر" مقدمًا ويروى: أم مالك، قوله: "فأما الصبر عنها" كلمة (أما) شوطية وتفصيلية 4 فلذلك دخلت الفاء في جوابها.
قوله: "الصبر": مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده، أعني قوله: "فلا صبرا"، فإن قلت: أين الرابط الراجع إلى المبتدأ؟
قلت 5: الرابط الراجع إلى المبتدأ: إما ضمير يعود نحو: زيد قام أبوه، أو تكرير المبتدأ بلفظه نحو: زيد قام زيد، أو إشارة إليه نحو قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، أو عموم يدخل تحته المبتدأ، وها هنا لا رابط فيها إلا عموم قوله: "فلا صبرا" فيكون مراده:
فأما الصبر عنها فلا صبر لأحد عنها، وإذا نفي أن يكون لأحد صبر عنها فصبره داخل فيه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فأما الصبر عنها فلا صبرا" حيث سد العموم ها هنا مسد الضمير الراجع إلى المبتدأ كما قررناه آنفًا (1).