المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد الثالث والثمانون بعد المائتين

3، 4 وإلا فاعلَمُوا أَنَّا وأنتُمْ... بُغاةٌ مَا بَقينَا في شِقَاق أقول: قائله هو بشر بن أبي خازم 5 بالخاء والزاي المعجمتين، وقبله: إذا جُزّت نواصي آل بدر... فأدوها وأسرى في الوثاق وهما من الوافر 6. وقصة ذلك: أن قومًا من آل بدر جاءوا الفزاريين من بني لأم من طيء فَجَزُّوا نواصيهم وقالوا: مننَّا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فزارة لذلك، فقال بشر ذلك، ومعناه: إذا جززتم12

نواصيهم فاجمعوها لنا واحملوا الأسرى معهم وإلا فإنا متعادون أبدًا.
و"البغاة": جمع باغ وهو الظالم؛ لأنه بغى الظلم أي طلبه، و"الشقاق" بكسر الشين وهو العداوة؛ لأن كلًّا من المتعاديين يجيء على ما يشق على الآخر، أو يكون من الشق بالكسر، وهو الجانب؛ لأن كلًّا منهما في شق غير شق الآخر، ومن هنا اشتق التعادي؛ لأن كلًّا منهما في عدوة.
الإعراب: قوله: "وإلا" أصله: وإن لا؛ أي: وإن لم تجزوا نواصيهم وتطلقوا أسراهم؛ فأبدلت النُّون لامًا وأدغمت اللام في اللام فصار: إلَّا، قوله: "فاعلموا": جواب إن؛ فلهذا دخلت فيه الفاء، قوله: "أنَّا" مع اسمه وخبرِه سد مسد مفعولي اعلموا، واسم أن هو الضمير المتصل به، وخبره قوله: "بغاة".
قوله: "وأنتم": عطف على قوله: "أنّا"، وأن هذه وإن كنت مفتوحة الهمزة ولكنها مكسورة في الحقيقة، وإنما فتحت لفظًا إشعارًا بأنها في موضع المفعول لفظًا.
وقال بعض المتأخرين: تقديره: أنا بغاة وأنتم كذلك فحذف خبر أنتم 1 واعْتَرَضَ قوله: "وأنتم" بين اسم إن وخبرها.
قيل: فيه نظر؛ لأنه ليس المراد أنا بغاة بل المراد أنتم بغاة فحينئذ يتعين أن لا يكون بغاة خبر أن؛ بل خبره قوله: "في شقاق"؛ إذ لا ينسبون البغي إلى أنفسهم بل إلى الخاطبين خاصة، فحينئذ يكون التقدير: اعلموا أنا في الشقاق معكم 2 ما بقينا وأنتم بغاة.
قلتُ: وهذا النظر إنما يتوجه إذا كان البغاة من البغي بمعنى الظلم والعدوان، وأما إذا كان من البغي الذي بمعنى الطلب فلا يلزم المحذور المذكور؛ فحينئذ يكون بغاة خبر أنا، وأنتم عطف على أنا كما ذكرنا.
فإن قلتَ: إذا كان الأمر كذلك فما يقع قوله: "في شقاق"؟ قلتُ: يقع خبرًا بعد خبر فيكون التقدير: أنا وأنتم بغاة؛ يعني: طالبون الشقاق والعداوة ما بقينا، وكلمة ما مصدرية ظرفية، والتقدير: ما دام بقاؤنا.
وقال بعض شارحي الكافية [لابن الحاجب] 3: إن بغاة خبر أنتم، وخبر أنا محذوف

لدلالة خبر المعطوف عليه؛ لأنه بلفظه ولو كان بغير لفظه لم يكن بد من ذكره، ولما كانت "أنّ" بعد أفعال القلوب مُعَرَّضَةً للكسر بدخول اللام في خبرها، كانت لهذا الوجه في حكم المكسورة، ولذلك لا يجوز أن يقال: سرني أنك لقائم بالاتفاق (1). الاستشهاد فيه: على العطف على محل اسم "أنّ" بعد مضي الخبر تقديرًا، ونقل عن سيبويه -رحمه الله تعالى- جواز العطف على محل اسم إن في باب علمت، واستدل على ذلك بالبيت المذكور فإنَّه عطف أنتم على محل اسم أن المفتوحة، وأجيب عن ذلك بأنه ليس بحجة؛ لأنه يلزم أن يكون عطفًا قبل مضي الخبر وهو ممتنع عند سيبويه.
بل يحتمل أن لا يكون معطوفًا عليه عطف المفرد على المفرد باعتبار شركتهما في عامل واحد؛ بل باعتبار عطف الجملة بأن يكون خبر أن هو قوله: "في شقاق" كما قررناه؛ فالعطف باعتبار الجملة لا باعتبار التشريك، والعطف باعتبار الجمل جائز في الجميع.
فافهم (2).

جارٍ التحميل