الشاهد الثالث والثمانون بعد الخمسمائة
1، 2
غَدَتْ مِن عَلَيه بَعدَ مَا تَمَّ ظِمؤُهَا... تَصِلُّ وَعَن قَيضٍ ببَيدَاءَ مَجْهَلِ
أقول: قائله هو مزاحم بن الحرث العقيلي 3، وهو إسلامي، قاله أبو حاتم وأبو الفرج 4، وهو الصحيح، لا ما قاله ابن سيده إنه جاهلي، وقصيدته هذه اللامية من أحسن ما وصف به القطا، وقبله:
1 - قطعت بشَوشَاة كَأَن قتودها... على خاضب يعلو الأَمَاعزَ هَيكَلِ
2 - أَذَلكَ أَم كُدريَّة ظَل فَرخُهَا... لَقَى بشَرَوْرَى كَالْيَتِيمِ المُعَيَّلِ
وهي من الطويل.
1 - قوله: "بشوشاة" بفتح الشينين المعجمتين بينهما واو ساكنة مثل: موماة، وهي الناقة السريعة، قوله: "كأن قتودها" القتود: جمع قتد بفتح القاف والتاء المثناة من فوق، وهو خبث الرحل، ويجمع على أقتاد -أيضًا-، و "الخاضب" بالخاء والضاد المعجمتين وبالباء الموحدة، وهو الظليم الذي أكل الربيع واحمر ظنبوباه واصفر، "الأماعز" بالعين المهملة والزاي المعجمة، وهي المواضع الكثيرة الحجارة و "الهيكل": العظيم الخلق.
2 - و "الكدرية" بضم الكاف وسكون الدال، وهي القطا التي في لونها كدرة، والقطا نوعان: كدري وجونى 5، والكدري أغبر اللون، والجوني أسود اللون.
قوله: "لَقَى" بفتح اللام وفتح القاف مقصور، وهو المطروح الذي لا يلتفت إليه، قال الجوهري: اللقى بالفتح: الشيء الملقى لهوانه، وجمعه ألقاء، و "شرورى" بفتح الشين المعجمة
وفتح الراءين المهملتين بينهما واو ساكنة، وهو اسم موضع، ويقال: اسم جبل، قوله: "المعيل" أي: المهمل المتروك.
قوله: "غدت" بالغين [المعجمة] 1 والدال؛ من غدا يغدو غدوًا، وهو نقيض الرواح، أراد أنها أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء وعطشت، فطارت تطلب الماء عندما تم ظمؤها 2؛ لأنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعة مرة، فلما جاءها ذلك الوقت طارت، قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف قال غدت من عليه، والقطاة إنما تذهب إلى الماء ليلًا لا غدوة؟ فقال: لم يرد الغدو، وإنما هذا مثل للتعجيل.
قوله: "ظمؤها" بكسر الظاء المعجمة وسكون الميم بعدها همزة، والظمؤ: مدة صبرها عن الماء، وهو ما بين الشرب إلى الشرب، ويروى: "بعد ما تم خمسها" بكسر الخاء، وهو ورود الماء في كل خمسة أيام، ولم يرد أنها تصبر عن الماء خمسة أيام؛ إنما هذا للإبل لا للطير، ولكنه ضربه مثلًا، هذا قول أبي حاتم، ولأجل هذا كانت رواية من روى: "بعد ما تم ظمؤها" أحسن وأصح.
قوله: "تصل" بالصاد المهملة المكسورة، أي: تصوت أحشاؤها من العطش، يقال: جاءت الإبل تصل عطشًا، قاله أبو حاتم، وقال غيره: تقبل 3 في طيرانها.
وقوله: "عن قيض" بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ضاد معجمة، وهو قشر البيض الأعلى، ويقال: وعن قيض يعني: عن فراخ، والقيض في الأصل: اسم لما يقشر من البيض عن الفراخ، وإنما يريد أن يذكر ساعة طيرانها من أجل ذلك.
قوله: "ببيداء" بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ممدودة، وهي الفلاة التي تبيد من سكنها، أي: تهلك، وهوى: "بزيزاء مجهل" الزيزاء بكسر الزاي المعجمة الأولى: الغليظ من الأرض، قاله الثعلبي وغيره.
قلت: الزيزاء: منهل من مناهل الحجيج من أرض الشام ينزل منها إلى أرض معان من بلاد الشوبك.
ويروى بفتح همزتها وكسرها، ففتحها، على أنه ممنوع من الصرف، فعند البصريين منع للعلمية والتأنيث لأنه بقعة، وعند الكوفيين لأن ألفه للتأنيث، فعلى هذا يكون قوله: "مجهل"
صفة لزيزاء، وأما كسرها فعلى الإضافة إلى مجهل، والمجهل: القفر التي ليس فيها أعلام يهتدى بها 1.
وحاصل المعنى من هذا البيت: أنه يصف قطاة في أشد أحوالها وحاجتها إلى الطيران من عطشها وحاجة فرخها إلى الري؛ لأنها غدت في اليوم الخامس من شربها وجوفها يصوِّت من يبسه وبعد عهده عن الماء.
الإعراب:
قوله: "يعلو الأماعز": جملة وقعت صفة لخاضب، وكذا قوله: "هيكل": صفة أخرى، قوله: "أذلك" إشارة إلى خاضب، قوله: "غدت من عليه" اسم غدت مستتر فيه يعود إلى القطاة، ومعنى: "من عليه" من فوقه، والضمير يرجع إلى الفرخ، وقال أبو عبيدة: معناه من عند فرخها.
قوله: "بعد": نصب على الظرف، قوله: "بعد ما تم ظمؤها" كلمة ما مصدرية، أي: بعد تمام ظمئها، قوله: "تصل": جملة وقعت خبرًا لقوله: "غدت"، وقال شارح أبيات الجمل: تصل في موضع نصب على الحال 2.
قوله: "وعن قيض" عطفت على قوله: "من عليه"، قوله: "ببيداء": جار ومجرور صفة لقوله: "قيض"، وقوله: "مجهل": صفة للبيداء، وهو إما مصدر ميمي في الأصل أو اسم مكان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من عليه" فإن على هاهنا اسم بمعنى فوق كما ذكرناه 3.