الشاهد الثالث والثلاثون
3، 4 أَكُلُّ الدَّهْر حِلٌّ وارتحال... أما يُبقي عَلَيَّ ولا يَقيني وماذا يبتغي الشعراء مني... وقد جاوزت حد الأربعيِن أقول: قائله هو سحيم بن وثيل الرياحي 5، وكان عبدًا حبشيًّا، كان عبد بني الحسحاس 6، وكان فصيحًا بليغًا، وكان قد اتهم ببنت مولاه فقتله هذا، فيما قاله الجوهري، وابن سلام في طبقاته 7.12
وقال الأصمعي: هذا الشعر لأبي زبيد الطَّائي 1، ويقال: البيت الأول للمثقَّب العبدي 2 واسمه: عائدٌ بن محصن بن ثعلبة، والمثقب بتشديد القاف المفتوحة، ويقال بالمكسورة، والبيت الأول من قصيدة أولها قوله 3: 1 - أَفَاطِمَ قَبلَ بَينكِ مَتِّعِيني... وَمَنْعُكِ مَا سَأَلْتُ كَأَنْ تَبينِي 2 - فلا تَعدِي مواعد كاذباتٍ... تَمرُّ بها رياحُ الصَّيْف دُوني 3 - فإني لو تُخَالِفُني شمالي... خلافك ما وصلت بها يميني 4 - إذن لَقَطَعْتُهَا ولَقُلْتُ بيني... كذلك أجْتَوى مَنْ يَجْتَويني 5 - إذا ما قمتُ أرْحَلُهَا بليلٍ... تَأَوَّهَ آهَةَ الرجلِ الحَزِين 6 - تقول إذا دَرَأْتُ لَهَا وَضيني... أهَذَا دِينُهُ أبدًا وديني 7 - أكلُّ الدهر حِلٌّ وارتِحَالٌ... أما يُبقِي عَلَيّ ولا يَقيني 8 - فإما أن تكَون أخِي بصْدقٍ... فَأَعرفُ منك غَثّي من سميني 9 - وإلا فاطْرَحْني واتَخِذْنِي... عَدُوًّا أتَّقيكَ وَتَتَّقيني 10 - فما أدري إذا يمَّمْتُ أرضًا... أريد الخير أيهما يليني 11 - أألخير الذي أنا أبتغيه... أم الشر الذي هو يبتغيني 12 - فلو أنَّا على حجر ذُبحْنَا... جرى الدَّمَيَانِ بالخبر اليقين 13 - دعني ماذا علمت سأتَّقيهِ... ولكن بالمغيَّبِ أنْبئيني والبيت الثَّاني لسحيم وقبله 4: 1 - أنا ابن جلا وطلاع الثَّنايا... متى أضع العمامة تعرفوني وبعدهما قوله: 3 - أخو خمسين مجتمع أشدي... ونَجَّدَني مداورة الشؤون وهذه الأبيات الثلاثة تمثل بها الحجاج 5 على منبر الكوفة يوم دخلها، ويقال: إن الأبيات التي
في ذكر الناقة لسحيم، وأوائل القصيدة للمثقب، وفيها أبيات لأبي زبيد الطَّائي وهي من الوافر.
[ما شرح من أبيات المثقب العبدي]
6 - قوله: "وَضيني" الوضين بفتح الواو وكسر الضَّاد المعجمة وبالياء آخر الحروف الساكنة وفي آخره نون؛ وهو للهودج بمنزلة البطان للقتب، والتصدير للرجل، والحزام للسرج، وهما كالنسع إلَّا أنهما من السيور إذا نسج نساجة بعضه على بعض مضاعفًا، والجمع وُضُن كذا فسره الجوهري، ثم أنشد البيت المذكور ونسبه إلى المثقب 1.
7 - قوله: "حل" أي حلول، والحل والحلول والمحل مصادر من حل المكان؛ أي: أَكلَّ الزمان موضع حلول؛ أي نزول وموضع ارتحال.
قوله: "ولا يقيني" أي: ولا يحفظني، من وقي يقي وقاية.
[ما شرح من أبيات سحيم]
2 - قوله: "وماذا تبتغي"؛ أي: وما تطلب، وأنشده الزمخشري والجوهري:
وماذا يدّري الشُّعَرَاءُ مِنِّي..................................
بتشديد الدال المهملة، يقال: ادّاره يدريه إذا ختله وخدعه، وكذلك تدراه تفعّل وافتعل بمعنى واحد 2.
3 - قوله: "أَشُدّي" بفتح الهمزة وضم الشين وتشديد الدال، بمعنى القوة وهو ما بين ثمانية عشر إلى ثلاثين، وهو واحد جاء على مثال الجمع، مثل: آنكٍ وهو الأُسْرُبُّ 3 ولا نظير لهما، ويقال: هو جمع لا واحد له من لفظه مثل: أبابيل وعَبَادِيد 4.
وكان سيبويه يقول: واحده شدة وهو حسن في المعنى؛ لأنَّه يقال: بلغ الغلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل 5.
قوله: "ونجذني" بالذال المعجمة من قولهم: رجل منجذ؛ أي: مجرب، أحكمته الأمور،
فقوله: "مداورة الشؤون؛ أي معالجة الأمور".
الإعراب:
قوله: "أكلُّ الدهر" الهمزة فيه للاستفهام على وجه الإنكار، و "كل الدهر" كلام إضافي وارتفاعه بالخبرية، وقوله: "حل" مرفوع بالابتداء، ويجوز أن يكون ارتفاع "حل" لكونه فاعلًا بالظرف لاعتماده على الهمزة.
قوله: "أما يبقي عليَّ" الهمزة فيه للاستفهام أيضًا، وما نافية بدليل مجيء "لا" بعدها (1)؛ أي: أما يبقي الدهر علي، وعلى هذا نحو قولهم: أبقيت على فلان إذا أرعيت [عليه] (2) وَرَحِمتُهُ، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي.
قوله: "ولا يقيني" عطف على قوله: "أما يبقي" وهو جملة من الفعل والفاعل والمفعول.
قوله: "وماذا" بمعنى: أي شيء، فكلمة "ما" مبتدأ، و "ذا" مبتدأ ثان، وقوله: "يبتغي الشعراء" جملة من الفعل والفاعل خبر المبتدأ الثَّاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، والعائد محذوف تقديره: وماذا تبتغيه الشعراء، وكذا الكلام في قوله: "وماذا يدّري الشعراء مني" (3).
و"حد الأربعين" كلام إضافي لقوله: "جاوزت".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "الأربعين" فإنَّه كسر النون فيه، وكان الأصل فتحها، ولكن كسرها للضرورة، ويجوز أن يكون أجراه مجرى العين فأعرب بالحركات (4).