الشاهد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة
1, 2 وَرَبيتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ... أَخَا القَوْم وَاستغْنَى عَنِ المسْحِ شَارِبُه أقول: قائله هو فرعان [بن الأعرف, ويقال: ابن الأصبح بن الأعرف أحد بني مرة، ثم أحد بني نزار بن مرة، وهو من قصيدة قالها فرعان في ابنه منازل، قال ابن الأعرابي: كان لفرعان ابن يقال له: منازل، وكان لمنازل ابن يقال له: خليج، فعق خليج أباه منازلًا فقدمه إلى إبراهيم بن عربي والي اليمامة، فقال 3: 1 - تَظَلَّمَنِي حقِّي خليجٌ وعقَّنِي... عَلَى حينَ كَانتْ كالحَنِيّ عِظَامِي 2 - وَجَاءَ بِقَوْلٍ منْ حرامٍ كأنما... يُسَعِّرُ فيِ بَيتِي حريقَ ضرامي 3 - لعَمري لقدْ ربيتُهُ فرِحًا بهِ... فلَا يفرحن بعدي امرؤٌ بغُلَامِ فأراد إبراهيم بن عربي ضربه، فقال خليج: أصلح الله الأمير لا تعجل علي، أتعرف هذا؟ هذا منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه، وأنشد القصيدة التي قالها فرعان في ابنه منازل على ما نذكرها الآن، فلما أنشدها قال إبراهيم: يا هذا عققتَ فعُقِقْتَ 4، وهذا كما قيل: الجزاء من جنس العمل، وأول قصيدة فرعان هو هذا 5: 1 - جَزَتْ رحمٌ بيني وبَينَ منازلٍ... جزاءً كما يستَنْزِلُ الدينَ طالِبُهْ 2 - فَربَّيتُهُ حتى إذَا آضَ شَيْظَمًا... يَكَادُ يُسَاوي غَارِبَ الفَحْلِ غاربُة 3 - تغمَّدَ حقِّي ظالِمًا ولوَى يدِي... لوَى يدَه الله الذي هوَ غَالِبُهْ 6 4 - وكَانَ له عِنْدِي إِذَا جَاعَ أَوْ بَكَى... على الزَّادِ أَحلَى زادِنَا وأطايبُه 5 - وربيته حتى........................................ إلى آخره
6 - أإنْ أُرْعِشَتْ كَفّا أَبِيكَ وأصبحت... يداكَ يدي الليث فإنكَ ضاربُهْ
7 - وجَمَّعْتَهَا دُهْمًا جِلادًا كأنها... أشَاءُ نخيلٍ لمْ تُقطَّع جوانبُهْ
8 - فَأَخْرجَنِي منهَا سليبًا كأنني... حُسَامُ يمانٍ فارَقَتهُ مَضَاربُهْ
وهي من الطويل والقافية متدارك.
وذكر في كتاب العققة أنه كان قد تزوج فرعان على أم منازل امرأة شابة فغضب لأمه فاستاق ما له واعتزل مع أمه، فقال في ذلك فرعان هذه القصيدة وزاد فيها أبياتًا أخرى تركتها.
1 - قوله: "جزت": من الجزاء، ويروى:
................................. جزاء مسيء لا يقتر طالبه
جعل فعل الجزاء للرحم، والجازي هو الله تعالى، لأنه السبب في الجزاء.
2 - قوله: "شيظمًا" بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الظاء المعجمة؛ وهو الطويل الغليظ، ولا يستعمل إلا مع الزيادة، لا يقال: شظم، ومعنى: "آض": صار، وجواب إذا: قوله: "تغمد حقي" أي: لما بلغ هذا المبلغ ستر حقي وتعدى طوره وهو بالغين المعجمة.
5 - قوله: "وربيته": من التربية، قوله: "واستغنى عن المسح شاربه": كناية عن كونه كبيرًا غير محتاج إلى خدمة أحد، وذلك؛ لأن الصغير إذا أكل يحتاج إلى من يمسح فمه، فإذا كبر استغنى عن ذلك، وأراد: موضع شواربه، وهي حول الفم من الجانب الأعلى.
6 - قوله: "أرعشت": من الإرعاش، من الرعش بفتحتين وهو الرعدة.
7 - و "الدهم" بضم الدال، جمع دهماء، وأراد بها: النوق الدهم التي ساقها منازل معه حين عق على أبيه فرعان واعتزل عنه، و "الجلاد" بكسر الجيم؛ صفة للدهم، قوله: "أشاء نخيل" بفتح الهمزة وبالمد؛ وهي صغار النخل، الواحدة: أشاءة.
8 - قوله: "سليبًا" أي: مسلوبًا، و"الحسام": السيف، ووصفه بأنه يمان.
الإعراب:
قوله: "وربيته" الواو للعطف، "وربيته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى منازل بن فرعان، قوله: "حتى" للابتداء وهي أن [تكون] 1 حرفًا مبتدأ بعدها الجمل تستأنف؛ وحينئذ تدخل على الجمل الاسمية والفعلية -أيضًا- سواء كان فعلها ماضيًا
أو مضارعًا، و"إذا" في موضع نصب والعامل فيه جوابه، والتقدير: إذا ما تركته تركته أخا قوم (1)، ويجوز أن [تكون] (2) حتى حرفًا جارة وتكون إذا في موضع جر بها، على ما ذهب إلى نحو هذا الأخفش وغيره (3)، وكلمة "ما" زائدة، و "تركته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "أخا القوم": كلام إضافي مفعول ثانٍ لتركته، وذلك لأن ترك إذا كان فيه معنى التحويل يستدعي مفعولين، قوله: "واستغنى": فعل ماض، و"شاربه": فاعله، و"عن المسح" متعلق (4) باستغنى، ويجوز أن تكون الواو فيه للحال.
فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "تركته" حيث نصب مفعولين؛ لأن فيه معنى التحويل؛ كما ذكرنا، وذكر الخطب في شرح الحماسة: أنه نصب "أخا القوم" على الحال من الهاء في: تركته، وجاز كونه حالًا وإن كان معرفة في اللفظ؛ لأنه لا يعني قومًا بأعيانهم، وإنما يريد تركته قويًّا لاحقًا بالرجال (5).
قلتُ: فعلى هذا لا استشهاد فيه على ما لا يخفى (6).