المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع والسبعون بعد الثلاثمائة

الشاهد التاسع والسبعون بعد الثلاثمائة

2، 3 لِيُبْكِ يَزِيدُ ضَارِعٌ لخصُومَةٍ... ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ أقول: قائله هو نهشل بن حري بن ضمرة بن جابر النهشلي 4، قال أبو عبيدة: حري كأنه1

منسوب إلى الحرِّ ضد البرد 1، وقال البعلي: هو للحرث بن نهيك النهشلي 2، وقال النيلي 3: في شرح الكافية: هو لضرار النهشلي، ونسبه بعضهم لزرود، ونسبه أبو إسحاق الحربي 4 عن أبي عبيدة لمهلهل، ولم يقع في كتاب المجاز لأبي عبيدة منسوبًا إلا لنهشل يرثي أخاه 5، وهو من قصيدة حائية، وأولها هو قوله 6: 1 - لعَمرِي لَإِنْ أمسَى نَرِيدُ بنُ نَهشلُ... حشَى جدثٍ تسفِي عليهِ الروَائِحُ 2 - لقد كانَ مِمنْ يبسطُ الكفّ بالندَى... إِذَا ضنّ بالخيرِ الأكفّ الشحَائِحُ 3 - فبعدكَ أبدى ذو الضغينة ضَغْنَه... وشدّ ليَ الطرفَ العيونَ الكوَاشِحُ 4 - ذكرتُ الذي ماتَ الندي عند موته... بعاقبَةٍ إذْ صالح العيش صالحُ 5 - إذَا أرقى أفنى من الليلِ ما مضَى... تمطَّى بهِ ثِنْيٌ من الليلِ راجحُ 6 - ليبكِ يزيدُ ضارعٌ لخصومة... ومستَنْمِحٌ مما أَطَاحَ الطوَائحُ 7 - عرا بعدَ مَا جفَّ الثَّرَى عنْ نقَابِه... بعصمَاءَ تدرِي كيفَ تَمشِي النائح وهي من الطويل.
قوله: "يزيد": اسم رجل وهو أخو الشاعر الذي يرثيه بهذه القصيدة، قوله: "ضارع": من الضراعة وهو الخضوع والتذلل، يقال: ضرع الرجل ضراعة؛ أي: خضع وذل، وأضرعه غيره، ويقال: فلان ضارع الجسم؛ أي: ضعيف نحيف.
قوله: "ومختبط" من قولهم: اختبطي فلان إذا جاءك يطلب معروفك من غير أجرة، قال الجوهري: وخبطت الرجل إذا أنعمت عليه من غير معرفة بينكما 7، وأراد بالختبط هاهنا: المحتاج، وأصله: من الخبط وهو ضرب الشجر ليسقط ورقها للإبل، وقال النحاس: المختبط: طالب

المعروف 1، وقال ابن فارس: اختبط فلان بني فلان إذا جاءهم يطلب معروفهم 2، قال ابن الأثير في تفسير حديث ابن عمر: قيل له في مرضه الذي مات فيه: "قد كنت تقري الضيف، وتعطي المختبط": هو طالب الرفد من غير سابق معرفة ولا وسيلة، شبه بخابط الورق أو خابط الليل، ويروى: ومستمنح؛ كما ذكرناه؛ من استمنحه: أي: طلب منحته؛ أي: استرفده.
قوله: "مما تطيح" بضم التاء؛ أي: مما تهلك، يقال: طاح إذا سقط وهلك، وأطاحته السنون إذا ذهبت به في طلب الرزق وأهلكته، وقال الجوهري: طاح يطوح ويَطيح: إذا هلك وسقط، وكذلك إذا تاه في الأرض، وطوحه أي توهه، وذهب به هاهنا وها هنا، فتطوح في البلاد إذا رمى بنفسه هاهنا وها هنا، وطوحته الطوائح: قذفته القواذف، ولا يقال: المطوحات، وهو من النوادر؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] على أحد التأويلين.
قلت: الطوائح: جمع مطحة، وهي القواذف، يقال: طوحته الطوائح أي: نزلت به المهالك، والقياس: المطاوح؛ لأنه جمع مطيحة، وإنما جاءت على حذف الزوائد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، والقياس: ملاقح 3. وقال النحاس: وكان القياس أن يقال: المطاويح ولكنه اضطر وحذف وقال: الطوائح 4. حاصل المعنى: ليبك يزيد رجلان: خاضع ومتذلل لمن يعاديه، وطالب معروف ومتوقع إحسان لأنه هو المغيث لمن استغاثه، وهو الفائض للمعروف على من استعفاه، وقال النيلي: معنى البيت أن المفقود كان ينصر المظلوم، ويعطي المحتاج 5. الإعراب: قوله: "ليبك" اللام فيه لام الأمر، والفعل لما لم يسم بهاعله، وقد ارتفع يزيد به لقيامه مقام الفاعل، و "يزيد": غير منصوف للعلمية ووزن الفعل، وقوله: "ضارع": مرفوع بفعل محذوف، ولا يجوز أن يرتفع بالفعل المذكور؛ لأن يزيد قد ارتفع به فتعين أن يرتفع بفعل محذوف مقدر دل عليه قوله: "ليبك"كأنه لما قال: "ليبك يزيد" علم بهذا الأمر أن هناك من يبكيه مأمورًا بالبكاء، فقال: من يبكيه؟ قال: يبكيه ضارع.

قوله: "لخصومة": يتعلق بضارع، ويجوز أن تكون اللام بمعنى: عند، أي: ضارع عند خصومة، قوله: "ومختبط": عطف على ضارع، وقوله: "مما تطيح الطوائح" كلمة ما مصدرية أي: من إطاحة الأشياء المطيحة، هذا من حيث التقدير، وأما من حيث الظاهر فهو فعل وفاعل دخل عليه حرف مصدري.
الاستشهاد فيه: في قوله: "ضارع" حيث ارتفع بفعل مقدر تقديره: يبكيه ضارع؛ كما قلنا، ورواه الأصمعي: "ليبك يزيدًا" بفتح الياء في ليبك على صيغة العلوم، ونصب يزيد، فعلى هذا لا شاهد حينئذ فافهم (1).

جارٍ التحميل