الشاهد التاسع والأربعون بعد المائة
3, 4 غَيرُ مَأْسُوفٍ عَلَى زَمَنٍ... يَنْقَضِي بالْهَمِّ وَالحَزَنِ أقول: قائله هو أبو نُوَاس الحكمي، واسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الشاعر المشهور، وكان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي، وَالي خُرَسَان، ونسبته إليه، وهو نسبه إلى الحكم بن سعد العشيرة؛ قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح المذكور، ولد أبو نُوَاس بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب، ثم صار إلى بغداد، وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وهو مجيد في شعره على أنواعه، ولد سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: في سنة ست وثلاثين ومائة، وتوفي سنة خمس أو ست أو ثمان وتسعين ومائة ببغداد، وقيل له: أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه، وبعد البيت المذكور بيت آخر وهو: إنما يَرْجُو الحياة فَتى... عَاشَ في أَمْنٍ من المحن12
وهما من الرجز 1.
وإنما ذكر الشراحُ البيتَ المذكور تمثيلًا لا استشهادًا به؛ لأن أبَا نواس وأمثاله لا يحتج بهم، وقصد بالبيت المذكور ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، وما بعده صفة له، و "غير": خبر للزمان، ثم حذف المبتدأ مع صفته وجعل إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف؛ لأنك إذا جئت بالهاء لما تقدمها ذكر ما ترجع إليه فصار اللفظ بعد الحذف:
غَيرُ مَأْسُوفٍ عَلَى زَمَنٍ... يَنْقَضِي بالْهَمِّ وَالحَزَنِ
وقال أبو نزار 2: سُئلت في بغداد عن قول الشاعر: غير مأسوف... إلخ، فلم نعرف وجهة رفع "غير" وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي 3 فعرفته بذلك.
والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى: لا يؤسف على زمان، فغيرُ مرفوع بالابتداء وقد تم الكلام بمعنى الفعل، فَسَدَّ تمام الكلام وحصول الفائدة مسد الخبر، ولا خبر في اللفظ؛ كما قالوا: أقائم أخوك؟ والمعنى: أيقوم أخوك؟ ولا خبر في اللفظ.
وقال الشيخ أثير الدين في كتابه: "التذكرة": ولم أر لهذا البيت نظيرًا في الإعراب إلا بيتًا في قصيدة للمتنبي 4 يمدح بها بدر بن عمار الطبرستاني يقول فيها 5:
ليس بِالمُنكَرِ أنْ بَرَّزْتَ سَبْقًا... غَيرُ مَدْفُوع عَن السَّبْقِ العِرَابُ
فالعراب مرفوع بمدفوع، ومن جعل العرابَ مبتدأ فقد أخطأ؛ لأنه يصير التقدير؛ العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب جمع فلا أقل من أن يقول غير مدفوعة؛ لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره، تقول: الشمس طالعة، وطالعة الشمس، لا يجوز: طالع الشمس؛
لأن التقدير: الشمس طالع، وذلك لا يجوز 1.
وذُكر في تحفة المعرب وطرفة المغرب، تأليف الشيخ جمال الدين عبد المنعم بن صالح التيمي 2: يقال: بمَ يرتفع "غير" في قوله: غير مأسوف على زمن؟ والجواب أن قوله: "غير مأسوف": مفعول من الأسف وهو الحزن، "وعلى" يتعلق به، كقولك: أسفت على كذا، وموضع قوله: "بالهَمّ" في موضع نصب على الحال، والتقدر: ينقضي مشوبًا بالهمِّ، "وغير": رفع بالابتداء، ولما أضيف إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور استغنى المبتدأ عن الخبر، كما استغنى قائم ومضروب في قوله: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلامك، عن خبر من حيث سد الاسم المرفوع بهما مسد الخبر؛ لأن (قائم ومضروب) قاما مقام الخبر، فينزل كل واحد منها مع المرفوع به منزلة الجملة.
وكذلك إذا أسند اسم المفعول إلى الجار والمجرور، سد مسد الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزون على زيد، ومأسوف على بكر؛ كما تقول في الفعل: أتحزن على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت "غير" للمخالفة جرت لذلك مجرى النفي، وأضيفت إلى اسم المفعول وهو مسند إلى الجار والمجرور اللذين بمنزلة الاسم الواحد؛ سد ذلك مسد الجملة؛ حيث أفاد قولك: غير مأسوف ما يفيده قولك: ما يؤسف على بكر فافهم 3.