المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفيةالشاهد التاسع عشر

2, 3 19 / هـ طَال لَيْلِي وَبِتُّ بالْمَجْنُونِ... واعْتَرَتْني الهَمُومُ بالْمَاطرونِ أقول: قائله هو أبو دهبل الخزاعي، واسمه: وهب بن وهب بن زمعة بن أسيد -بكسر الهمزة- بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي الشاعر المجيد المحسن المداح.
وهو من قصيدة نونية، وأولها هو قوله: 1 - طال ليلي وبت بالمجنون................................. وبعده 4: 2 - صاحِ حيَّا الإلهُ حيًّا ودورا... عند أصْلِ القَنَاة من جَيْرُونِ 3 - عن يساري إذا دخلتُ إلى الدَّا... رِ وَإنْ كنت خارجًا فَيَمينِي 4 - فلتلك اغْتَربْتُ بالشَّام حتى... ظَنَّ أَهلي مُرجّمَات الظُنُونِ 5 - وَهيَ زَهراءُ مِثلُ لُؤلُؤَةِ الغَوّ... اصِ ميزَت من جَوهَر مَكنونِ 6 - وإذا ما نَسَبتَها لم تَجدْهَا... في سَناءٍ من المكارِم دُونِ 7 - تجعل المسك واليلنجوحَ والنَّـ... ـدَّ صَلاءً لها على الكانُونِ 8 - ثم خَاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخضـ... ـراء تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ 9 - قبةٌ من مراجل ضربتْها... عند حَدّ الشتاء في قَيْطُون 10 - ثم فَارَقْتُهَا على خير ما كا... ن قرينٌ مفارقًا لقرين1

11 - فَبَكَتْ خَشْيَةَ التَّفَرُّقِ للبَيْـ... ــــنِ بكاءَ الحزِينِ إثر الحزين 12 - ليت شِعْرِي أَمِنْ هَوًى طَارَ نَوْمِي... أم بَرَانِي رَبِّي قَصِيرَ الجُفُونِ وسبب ذلك: أن أبا دهبل شبب بعاتكة بنت معاوية حين حجت، ورجع معها إلى الشام فمرض بها وقال ذلك.
ويقال: إن يزيد 1 قال لأبيه معاوية: إن أبا دهبل ذكر رملة ابنتك فاقتله، فقال: أي شيء قال: قال: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّ... اص ميزت من جوهر مكنون قال معاوية: - رضي الله عنه -[أحسن، قال] 2 فقد قال: وإذا ما نسبتها لم تجدها... في سناء من المكارم دوني قال: صدق، فقد قال: ثم خاصرتها إلى القبة الخضـ... ــــراء تمشي في مرمر مسنون فقال معاوية: كذب.
وقال ثعلب 3: حدثنا الزبير 4 قال: حدثني مصعب 5 قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبد الله 6 قال: خرج أبو دهبل يريد الغزو، وكان رجلًا صالحًا جميلًا، فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطه كتابًا فقالت: اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها، ثم ذهبت فدخلت قصرًا ثم خرجت إليه فقالت: لو تبلغت معي إلى هذا القصر، فقرأت الكتاب على امرأة فيه كان لك في ذلك أجر - إن شاء اللَّه تعالى؛ فإنه أتاها من غائب يَعْنِيهَا أمْرهُ، فبلغ معها القصر، فلما دخله فإذا فيه

جوارٍ كثيرة فأغلقن عليه القصْر، وإذا امرأة وضيئة دعته إلى نفسه فأبى فحبس وضيق عليه حتى كاد يموت، ثم دعته إلى نفسها، فقال: أما الحرام فو الله لا يكون ذلك، ولكن أتزوجك فتزوجته، وأقام معها زمانًا طويلًا لا يخرج من القصر حتى يئس منه، وتزوج بنوه وبناته واقتسموا ماله، وأقامت زوجته تبكي عليه حَتَّى عَمِيَت 1 ثم إن أبا دهبل قال لامرأته: إنك قد أثمت فِيَّ وفي أهلي وولدي فأذَنِي لي في المسير 2 إليهم وأعود إليك، فأخَذَتْ عليه العهود أن لا يقيم إلا سنة، فخرج من عندها وقد أعطته مالًا كثيرًا حتى قدم على أهله فرأى حال زوجته وما صارت إليه من الضر، فقال لأولاده: أنتم قد ورثتموني وأنا حَيُّ وهو حظكم، والله لا يشرك زوجتي فيما قَدِمْتُ به أحد، فتَسَلَّمَتْ جميع ما أتى به، ثم إنه اشتاق إلى زوجته الشامية وأراد الخروج إليها فبلغَه موتُها، فأقام وقال: طال ليلي وبت كالمجنون............................. إلخ ويقال هذه القصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنهما - وذهب إليه الجوهري وغيره 3، وقال ابن بَرِّي: والصحيح أنها لأبي دهبل الجمحي، والدليل عليه الحكاية المذكورة 4. وهي من الخفيف وهو من الدائرة الرابعة المسماة بالمشتبه وهي تشتمل على السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث 5، وأصله في الدائرة فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن مرتين، وفيه الخبن والتشعيث [فالخبن في قوله "وبت بال" والتشعيث] 6 فإنه مفعولن وهو مشعث، وهو إسقاط أحد متحركي الوتد فيصير: فاعاتن 7، أو فالاتن، فيرد إلى مفعولن.
2 - قوله: "صاح" أصله يا صاحبي، و "جيرون" [بفتح الجيم] 8 وسكون الياء آخر الحروف، وقال الجوهري: الجيرون: باب من أبواب دمشق 9.

4 - قوله: "مرجمات الظنون" من الترجيم، والرجم أن يتكلم الرجل بالظن.
قال الله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: 22]، قال الجوهري: ومنه الحَدِيثُ المُرَجَّمُ بالتشديد 1. 7 - قوله: "اليلنجوج" بفتح الياء آخر الحروف واللام وسكون النون وبجيمين بينهما واو ساكنة؛ وهو عود يُتَّبَخّرُ به، وكذلك: يلنجج وألنجج وهو يَفَنْعِل وأفَنْعَل، و "النَّدَّ" بفتح النون وتشديد الدال المهملة، وهو نوع من الطيب وليس بعربي, قوله: "صِلاء" بكسر الصاد وبالمد؛ صلاء النار.
8 - قوله: "ثم خَاصَرْتُها" من خاصَر الرجلُ صاحَبه إذا أخذ بِيَدِه في المشي، ومادته: خاء معجمة وصاد مهملة.
[وراء مهملة] 2, قوله: "مسنون" أي: أملس.
9 - و: "المراجل" جمع مرجل وهو القدر النحاس.
1 - قوله: "بالمجنون" ويروى: كالمجنون، ويروى: كالمحزون، فالأولان من الجِنَّة وهو الجنون والمعنى: بت بالجِنة، ويجيء المصدر على وزن مفعول، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: 6] أي الفتنة، والثالث من الحزن وهو الهم.
قوله: "واعترتني" من عراه هذا الأمر إذا غَشِيَه, قوله: "بالماطِرُون" بالميم والطاء المهملة وضم الراء، وهو اسم موضع، وقال أبو الحسن القفطي 3: الماطرون: بستان بظاهر دمشق، وقال الجوهري: الناطرون موضع بناحية الشام، وذكره بالنون موضع الميم 4، وفي شرح كتاب سيبويه: الماطرون بالميم وطاء مفتوحة، والمشهور أن الماطرون بالميم وكسر الطاء 5.

الإعراب: قوله: "طال" فعل ماض و "لَيْلِي" كلام إضافي فاعله, قوله: "وَبِتُّ بالمجنون" جملة وقعت حالًا، وقد عُلِمَ أن الحال إذا كانت مصدرة بفعل ماضٍ فهي على سبعة أضرب منها: أن تكون مقرونة بالواو، وحدها كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: 168] وقوله: "وبت بالمجنون" من هذا القبيل 1. قوله: "واعترتني الهموم" جملة من الفعل والمفعول والفاعل، وهو الهموم، وهي معطوفة على الجملة الأولى.
قوله: "بالماطرون" متعلق بقوله: "واعترتني" والباء فيها ظرفية أي: فيها.
الاستشهاد فيه: قوله: [بالماطرون فإنه] 2 جمع مسمًّى به، وفي الجمع المسمى به أربعة أوجه 3: وجهان فصيحان ووجهان ضعيفان، وأفصح الفصيحين الحكاية؛ كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: 19، 18]. والثاني من الفصيحين: التزام الياء وإعرابه بالحركات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36].
وأضعف الضعيفين: التزام الواو وفتح النون على حكاية حالي الرفع التي هي أشرف أحوال الاسم، وعلى ذلك قولهم: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، وقراءة بعضهم: (تبت يدا أبو لهب) 4، وقوله: "بالماطرون".
وأسهلهما: التزام الواو والإعراب بالحركات تشبيهًا لها بالزيتون ونحوه من الأسماء المفردة التي آخرها واو ونون.

جارٍ التحميل