قوله: (وإِنَّمَا يُوصِي عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَبٌ، أَوْ وَصِيُّهُ كَأُمٍّ، إن قَلَّ، ولا وَلِيَّ ووُرِثَ عَنْهَا) هذا شروع منه في الكلام على الأوصياء 5 ومحاجيرهم 6، والكلام على ذلك ينطوي على أربعة أركان: الصيغة: نحو أوصيت إليك، أو ما يقوم مقامه في الدلالة على إسناد الوصية إليه من تقييد وإطلاق ونحو ذلك، وقد تقدم شيء من هذا في المسألة التي فرغنا منها، والموصى فيه وهو التصرف في المال بقضاء الدين وتفرقة الثلث، وشبه ذلك، والنظر في أمر الأطفال بالولاية وإنكاح من يجوز إنكاحه من الأولاد، وقد نبه على هذا بذكر المحجور عليه، والركن الثالث: الموصى وهو كل من كانت له ولاية على الأطفال شرعًا كالأب ووصيه ووصي وصيه 7. وإن بعد، وكذلك الأم إن كان المال1234
الجزء: 5 - الصفحة: 580
قليلًا موروثًا عنها، ولا ولي للمحجور 8، وحدُّ القليل في المدونة ستون دينارًا، سحنون: وقول غيره: أنها لا تجوز 9 أعدل، وأما غير هؤلاء فلا يجوز إيصاؤه على المحجور 10، انظر في الكبير.
11
قوله: (لِمُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ، عَدْلٍ، كَافٍ) هذا هو الركن الرابع، وهو الموصى إليه 12، واحترز بكونه مكلفًا من الصبي والمجنون والمعتوه إذ لا يوصي أحد منهم.
وبكونه مسلمًا من الكافر لعدم عدالته، وبكونه عدلًا من الفاسق أو من ليس بعدل، وقاله في المدونة 13. محمد: والمراد هنا بالعدالة الأمانة، والرضى فيما يوصي إليه فيه والقوة 14. ويشترط فيه أيضًا الكفاية في التصرف، ولهذا قال: (كَافٍ) واحترز بذلك من العاجز عن التصرف، فلا يجوز إسناد الوصية إليه.
قوله: (وإِنْ أَعْمَى، وامْرَأَةً، وعَبْدًا) لا خلاف في ذلك بالنسبة إلى الأعمى والمرأة 15، وأما العبد فيشترط فيه شرطان: الأول: إذن سيده، وإليه أشار بقوله: (وتَصَرَّفَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ).
الثاني: ذكره اللخمي، وهو أن لا 16 يكون سيده ممن يخاف أن يغلب على ما في يد عبده 17، وقد أهمله هنا ابن القاسم وأشهب، وإذا أجاز السيد الوصية فليس له رجوع إلا لعذر من بيع أو سفر أو انتقال من موضع الورثة إلى موضع 18 آخر فيقيم
الجزء: 5 - الصفحة: 581
لهم الإمام غيره 19. وقال اللخمي: المعروف من قوله 20 غير هذا وأن العبد 21 يقوم مقامه عند سفره أو غيره من شاء 22 من غير حاجته إلى سلطان، ولا فرق بين حر وعبد 23. قوله: (وَإِنْ أَرَادَ الأَكَابِرُ بَيْعَ مُوصًى اشْتُرِيَ لِلأَصَاغِرِ) العبد الموصى إليه 24 تارة يكون للأجنبي وقد تقدم، وتارة عبد للموصي نفسه وفي كلامه هذا إيماء له 25. قال في المدونة: ومن أسند وصيته إلى عبده أو مكاتبه 26 جاز 27. سحنون: وإنما يكون 28 وصيًا إن كان بينهم بالسواء فيما يتكلف لهم، أو تكون كلفته لهم على قدر مواريثهم، وصححه ابن رشد 29، فإذا أراد الأكابر من الورثة بيع العبد اشترى الأصاغر ونحوه في الموازية 30 وظاهره أنه لا يؤخذ نصيب الأكابر إلا إذا اختاروا البيع، وأشار بعضهم إلأ أنه يشتري نصيبهم بالقيمة، وإن لم يريدوا ذلك، ولعله مقيد بما إذا أرادوا منع العبد من التصرف للأصاغر 31.
الجزء: 5 - الصفحة: 582
قوله: (وطُرُوُّ الْفِسْقِ يعْزِلُهُ) يريد: أن الفسق إذا طرأ على الموصى فإنه يوجب عزله عن الوصية وهو المشهور.
وقال المخزومي: لا يعزل ويجعل معه أمين 32.
قوله: (ولا يَبِيعُ الْوَصِيُّ عَبْدًا يُحْسِنُ الْقِيَامَ بِهِم ولا التَّرِكَةَ إِلا بِحَضْرَةِ الكبير) يريد: أن الوصي ليس له أن يبيع على الأصاغر عبدًا يحسن القيام بهم ونحوه في المدونة، إذ لا نظر له إلا في المصلحة 33 وهذا العبد في 34 بقائه مصلحة لهم 35، وإنما لم يجز له بيع التركة إلا بحضرة الأكابر 36، لأنه لانظر له عليهم، فإن لم يكن الأكابر حضورًا رفع ذلك إلى الحاكم، قال في المدونة: فيأمر من يلي معه البيع على الغائب إذا كانت التركة عروضًا أو حيوانًا 37.
قوله: (ولا يَقْسِمُ عَلَى غَائِبٍ بلا حاكم) يريد: لأن القسمة قد قيل: إنها بيع من البيوع، وقد تقدم أنه لا يباع 38 على غائب حتى يرفع الأمر 39 للحاكم فيجعل معه من يلي ذلك، وكذلك هنا، وحكى اللخمي عن أشهب أن الوصي يجوز له أن يقسم العين 40 والطعام إذا كان صنفًا واحدًا وأما غيرهما فلا يقسمه على الأكابر الغُيَّب إلا = موارثهم وبذلك يصير كالأجنبي وصححه ابن رشد وظاهر المدونة أن نصيب الأكابر من الورثة لا يؤخذ منهم إلا إن شاءوا البيع وأشار بعضهم إلى أنه يشترى نصيبهم بالقيمة وإن لم يريدوا ذلك ولعله مقيد بما إذا أرادوا منع العبد من النظر والتصرف للأصاغر انظر الكبير).
الجزء: 5 - الصفحة: 583
بتوكيل منهم أو من الإمام، فإن فعل خير الغائب إذا قدم 41. قوله: (ولاثْنَيْنِ حُمِلَ عَلَى التَّعَاوُنِ) أي: فإن أسند وصيته لاثنين أو أكثر حمل على أنه أراد بذلك التعاون، وهذا إذا وقع الإيصاء مطلقًا، أما لو قيد ذلك بأن قال: لا يتصرفان إلا مجتمعين أو يتصرفان مجتمعين أو متفرقين 42 فلا إشكال في اتباع ما قيد به كلامه من اجتماع وانفراد، وإنما حمل على التعاون عند الإطلاق، لأن لكل واحد من النظر ما للآخر، فكانا في ذلك كرجل واحد، ابن القاسم: وليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا أمر دون الآخر 43، أشهب: إلا في التافه الذي لا بد لليتيم 44 منه من طعام وكسوة وما يضر به تأخيرُه إذا غاب الآخر 45. قوله: (فإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَا فَالْحَاكِمُ) أي: فإن مات أحد الوصيين، يريد من غير وصية، فقال اللخمي: ليس للآخر أن يلي النظر وحده، وينظر السلطان في ذلك، فإما أقره إن رأى 46 لذلك وجهًا أو أشرك معه غيره، قال في المدونة: وإذا اختلف الوصيان نظر السلطان 47. قوله: (ولأَحَدِهِمَا إِيصَاءٌ) اللخمي: أصل ابن القاسم أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون الآخر، ولا أن يقيم غيره في التصرف 48 في الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه، وكذلك عند الموت 49، انتهى، واختلف إذا مات أحدهما وقد أوصى بها 50 إليه هل يمضي وهو قول يحيى بن سعيد في المدونة وأشهب، أو لا يمضي وهو قول
الجزء: 5 - الصفحة: 584
سحنون (1)، ونقله ابن رشد عن مالك وابن القاسم (2)، وأما لو أوصيا معًا؛ جاز.
قوله: (ولا لَهُمَا قَسْمُ الْمَالِ) أي: لا يجوز لهما أن يقسما التركة شطرين ليكون كل واحد منهما يتصرف في الشطر، وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب وابن كنانة، لأنَّ الموصي قد يريد اجتماعهما (3) أحدهما لأمانته والآخر لكفاءته أو لرأيه، وقال ابن زياد: يجوز لهما قسم التركة (4). واختلف القائلون بمنع القسم إذا وقع ذلك فضاع شيء من المال أو هلك بيدهما أو بيد أحدهما، فذهب أشهب إلى عدم ضمانهما (5)، وذهب مالك وابن القاسم إلى الضمان (6)، ولهذا قال (وَإِلا ضَمِنَا).
(المتن)
وَلِلْوَصِيِّ اقْتِضَاءُ الدَّيْنِ، وَتَأْخِيرُهُ بِالنَّظَرِ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى الطِّفْلِ بِالْمَعْرُوفِ، وَفِي خَتْنِهِ وَعُرْسِهِ وَعِيدِهِ، وَدَفْعُ نَفَقَةٍ لَهُ قَلَّتْ، وَإِخْرَاجُ فِطْرَتِهِ، وَزَكَاتِهِ، وَرَفَعَ لِلْحَاكِمِ إِن كَانَ حَاكِمُ حَنَفِيٌّ، وَدَفْعُ مَالِهِ قِرَاضًا، أو بِضَاعَةً، وَلَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ، وَلَا اشْتِرَاءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وَتُعُقِّبَ بِالنَّظَرِ، إِلَّا كَحِمَاريْنِ قَلَّ ثَمَنُهُمَا، وَتَسَوَّقَ بِهِمَا الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَلَوْ قَبِلَ، لَا بَعْدَهُمَا، وَإِنْ أَبَى الْقَبُولَ بَعْدُ الْمَوْتِ فَلَا قَبُولَ لَهُ بَعْدُ، وَالْقَوْلُ لَهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ، لَا فِي تَارِيخِ الْمَوْتِ، وَدَفْعِ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ.