قوله: (وَبِالزِّيَارَةِ إِنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ، لا لِدُخُولِ عِيَالٍ) يشير إلى قوله في المدونة: وإن حلف لا أساكنه 1 فزاره، فليست الزيارة بسكنى، وينظر إلى ما كانت عليه يمينه، فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف 2، قال أبو إسحاق 3: يريد فلا يحنث 4؛ لأن ذلك السبب ليس بموجود في الزيارة، ولو أقام عنده على هذا أيامًا، ثم قال فيها: وإن أراد التنحي فهو أشد 5، أبو إسحاق: يريد فيحنث؛ لأنه أراد قطع مواصلته والبعد عنه، والزيارة مواصلة وقرب 6. قوله: (إِنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا، ويَبِتْ بِلا مَرَضٍ) يريد أن ما ذكره من عدم الحنث بالزيارة إذا كان الحالف 7 لما يحصل 8 بين العيال مشروطًا بأن لا يكثر 9 الزيارة نهارًا 10، ولم يبت ليلًا بلا مرض، فأما إن طال التزاور فمذهب مالك وابن القاسم الحنث 11،
الجزء: 2 - الصفحة: 402
خلافًا لأشهب وأصبغ 12، قال في البيان: واختلف في حد الطول فقيل: ما زاد على ثلاثة أيام، وقيل: هو أن يكثر 13 الزيارة نهارًا ويبيت 14 بلا مرض 15.
قوله: (وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي: لأُسَافِرَنَّ) المنصوص 16 كما قال، أن من حلف ليسافرن، فإنه يسافر مسافة القصر.
ابن بشير: وهو مقتضى اللفظ شرعًا، ولو بني على اللغة لأجزأ أقل ما يسمى سفرًا أو 17 ما يسميه أهل العرف سفرًا، إن اعتبر 18 العرف 19.
قوله: (وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ) أي: في منتهى سفره، وهو قول ابن القاسم قال: والشهر أحب إليَّ 20، وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ كَمالُهُ) وقال محمد: القياس أقل زمان 21.
قوله: (كَأَنْتَقِلَنَّ) أي: وكذا إذا حلف لينتقلن -يريد: من بلد كذا- فإنه يسافر مسافة القصر، وهو قول مالك، وقيل: يكتفي بثلاثة أميال، واستحسنه ابن المواز، ثم يقيم على قول مالك نحو 22 الشهر، قاله في كتاب محمد، وقال ابن المواز: يقيم من ذلك ما قل أو كثر 23.
قوله: (وَلَوْ بإِبْقَاءِ رَحْلِهِ 24) هذا راجع إلى قوله: (وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا في لا سكنت 25)، والمعنى: أن من حلف لا سكنت 26 فإنه يحنث بالبقاء ولو بإبقاء رحله،
الجزء: 2 - الصفحة: 403
وهو المشهور وقاله في المدونة 27، وقال أشهب: لا يحنث، ورواه عن مالك 28.
قوله: (لا بِكَمِسْمَارٍ) أي: فلا يحنث بإبقاء 29 ما لا بال له كالمسمار والوتد، وهو المشهور وقاله ابن القاسم في الموازية 30، وزاد ابن وهب في العتبية: إذا كان لا يريد العود إليه 31، وتنازع الأشياخ هل وافقه ابن القاسم على ذلك أم لا؟ 32 وظاهر كلام ابن رشد أنه يوافقه فإنه 33 بعد أن ذكر مسألة العتبية قال: أما إذا تركه على ألا يعود إليه فلا اختلاف أنه لا يحنث بتركه، ثم حكى فيما إذا تركه ناسيًا قولين، ثم قال: وأما إن تركه على أن يعود 34 ليأخذه فإنه حانث إلا على مذهب أشهب الذي يقول: لا يحنث بتركه متاعه كله، وظاهر كلام غيره أنه لا يحنث مطلقًا على مذهب ابن القاسم 35، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وهَلْ إِنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ).
قوله: (وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الأَجَلِ) يعني: أن من حلف ليقضين فلانًا حقه إلى أجل فقضاه إياه فاستحق بعضه -يريد: أو كله- أو وجد فيه دراهم نحاسًا أو رصاصًا فقام عليه بعد الأجل فإنه يحنث، وقاله في المدونة 36. اللخمي: واختلف إذا استحقت بعد الأجل فلم يأخذها المستحق، وقال ابن كنانة: لا يحنث، وقال ابن القاسم: يحنث 37،
الجزء: 2 - الصفحة: 404
وقيل: لا يحنث وإن لم يجد ذلك المستحق؛ لأن الأجل ما مضى إلا وقد قضى الغريم حقه ودخل في ضمانه.
قوله: (وَبِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يَفِ، كَأَنْ لَمْ يَفُتْ عَلَى المُخْتَارِ) أي: إذا حلف ليقضينه حقه إلى أجل فباعه سلعة 38 بدينه بيعًا فاسدًا، ثم فاتت السلعة قبل الأجل بما يفوت به البيع الفاسد وليس فيها وفاء بالدين، فإنه يحنث، وهو معنى قوله: (إِنْ لَمْ يَفِ) أي: قيمتها بالدين فإن ساوته لم يحنث، فإن لم تفت السلعة حتى مضى الأجل، فقال سحنون: يحنث؛ نظرًا إلى أن العوضية الشرعية لم تحصل، وقال أشهب وأصبغ: لا يحنث 39. وقال 40 اللخمي: وأرى إن كان في قيمتها 41 وفاء بالحق ألا يحنث؛ لأنه الوفاء عنده وهو 42 الوجه الذي قصده بيمينه 43، وهو معنى قوله: (كَأَنْ لَمْ يَفُتْ عَلَى المُخْتَارِ) أي: وفيها وفاء 44.
قوله: (وَبِهبَتِهِ 45 لَهُ) يريد: فإن حلف ليقضينه حقه 46 فوهبه له رب الدين فإنه لا يبر 47، فإن كانت يمينه مؤجلة حنث إذا مضى الأجل قبل القضاء، وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب: ثم إن مضى الأجل ولم يقضه حنث 48، فإن كان الدين سلعة فوهبه إياها عند الأجل، ففي سماع عيسى: يحنث، وقاله مالك 49، وفي
الجزء: 2 - الصفحة: 405
كتاب ابن حبيب: إن قبل الهبة مكانه 50 حنث ولا ينفعه أن يقضيه إياه قبل الأجل ليتحلل من يمينه؛ لأن الحق سقط بالقبول، فإن لم يقبله ثم قضاه برَّ 51، ثم لا قيام له في رد من الهبة والصدقة، وإن لم يظهر منه رد ولا قبول وقضاه عند الأجل أو قبل ذلك برَّ، ثم له القيام في أخذ ما وهب له أو تصدق به عليه ويقضَى له بذلك 52. اللخمي: واختلف إذا غاب الحالف فقضى عنه بعض أهله من ماله أو من مال الغائب، فقال ابن الماجشون: يبر 53، وقال ابن القاسم: لا يبر 54، وهو أبين إذا تأخر عن القدوم للقضاء عمدًا 55، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وَإنْ مِنْ مَالِهِ) أي 56: مال الحالف.
قوله: (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إِلا بِدَفْعِهِ، ثُمَّ أَخْذِهِ) هذه مسألة العتبية، قال فيها عن ابن القاسم: ومن حلف لغريمه ليقضينه حقه ثم شهد له عدلان بالقضاء، لا ينتفع بذلك في اليمين حتى يقضيه ثم يرده إليه 57.
قوله: (لا إِنْ جُنَّ، وَدَفَعَ الحَاكِمُ) يريد: فإن جن الحالف في الأجل فقضى عنه الحاكم الحق 58 لغرمائه فإنه يبر 59 في يمينه، حكاه في العتبية عن ابن القاسم 60، فإن لم يقضِ عنه حتى مضى الأجل حنث عند أصبغ لا عند ابن حبيب 61، وإليه أشار بقوله: (وَإنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلانِ) وقد علمت أن الشيخ عبر عن عدم البر بالحنث في غالب هذه المسائل، وفيه نظر.
الجزء: 2 - الصفحة: 406
(المتن)
وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ، فِي: لأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ.
لا إِنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ، بِخِلافِ لآكُلَنَّهُ، وَلا إِنْ بَاعَهُ بهِ عَرْضًا، وَبَرَّ إِنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ، وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيعَةٍ، أَوْ إِنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ؟ -وَعَلَيهِ الأَكْثَرُ- تَأْوِيلانِ.
وَبَرِئَ فِي الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ وَإلَّا بَرَّ، كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُم.
وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ عِنْدَ رَأسِهِ، أَوْ إِذَا اسْتَهَلَّ.
وَإلَى رَمَضَانَ، أَوْ لاِسْتِهْلالِهِ شَعْبَانُ.