قوله: (وجَازَت تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ) ابن شاس: وليس على شهود الفرع تزكية شهود الأصل؛ لكن إن زكوهم ثبتت عدالتهم وشهادتهم بقولهم، وليس عليهم أن يشهدوا على صدق شهود 1 الأصل 2.
قوله: (ونَقْلُ امرَأَتينِ مَعَ رَجُلٍ في بَاب شَهَادَتِهِنَّ) أي: وجاز نقل امرأتين مع رجل فيما تجوز فيه شهادة النساء وهو المال، أوَ ما يؤول إليه، وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن الشهادة، لا في المال ولا في غيره؛ إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد 3 واليمين، وشهادتهن لا تجوز إلا حيث يجوز الشاهد 4 واليمين 5.
قوله: (وإن قَالا وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا سَقَطتَا) شرع -رَحِمهُ الله- في رجوع الشهود عن الشهادة، وقد علمت أن لذلك ثلاث صور: تارة قبل الحكم، وتارة بعده وقبل الاستيفاء، وتارة بعدهما.
ورجوعهم تارة عن 6 المشهود عليه، وتارة عن 7 المشهود به.
وهذا الذي ذكره في هذا الفرع 8 رجوع عن المشهود عليه، والمعنى: أن الشاهدين إذا شهدا بشيء
الجزء: 5 - الصفحة: 173
على شخص عند الحاكم ثم قالا قبل الاستيفاء: وهمنا في شهادتنا على هذا؛ بل الحق على هذا.
ألغي الأول 9، فقال ابن القاسم وأشهب: لا تقبل شهادتهما على واحد منهما 10. وهو معنى السقوط هنا، وقال أشهب: لأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة بإقرارهما أنهما شهدا على الشك والوهم 11.
قوله: (وَنُقِضَ، إِن ثبتَ كَذِبُهُمْ كحَيَاةِ مَنْ قُتِلَ، أَوجبه قَبْلَ الزنَا) هذه المسألة ليست من الرجوع عن الشهادة، وإنما ذكرها هنا لتعلق الغرا مة بالشاهدين، ومعناها: أن الحكم المستند إلى شهادة شهود ينقض 12 إذا ثبت كذبهم؛ لظهور فسقهم؛ وذلك مثل: أن يشهدوا 13 أن فلانًا قتل زيدًا مثلا، فاقتص منه، ثم قدم زيد حيًّا، أو شهدا على شخص بالزنى فرجم، ثم وجد 14 مجبوبًا قبل الزنا 15.
قوله: (لا رُجُوعُهُمْ) أي: فإن الحكم معه لا ينقض، وذلك متفق عليه.
قوله: (وغَرِمَا مَالًا ودِيَةً) أي: وإن أتلفا مالًا بشهادتهما غرماه، وإن أتلفا ما فيه الدية غرما الدية، قال في المدونة في شهود الزنا: إذا رجم 16 المشهود عليه، ثم ظهر أنه مجبوب، وتبين 17 كذبهم؛ أنهم يغرمون الدية في أموالهم 18. وروى 19 أشهب: أن الدية على عاقلة 20 الإمام 21
الجزء: 5 - الصفحة: 174
وبه قال ابن عبد الحكم 22. فإن قالا بعد الاستيفاء: غلطنا.
فقال ابن القاسم، وأشهب، ومطرف، وأصبغ، وهو ظاهر المدونة: يغرمان الدية 23؛ لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء 24. وقال عبد الملك: لا غرامة عليهما 25. وبه قال المغيرة، وابن دينار، وابن أبي حازم 26. ولأصبغ قول ثالث: أن الدية على عاقلتهما، وإن ثبت عمدهما 27. فقال ابن القاسم: عليهما الدية.
وإليه أشار بقوله: (ولَوْ تَعَمَّدَا) وقال أشهب: عليهما القصاص إن قتل، وهو الأقرب؛ لأنهما أتلفا 28 نفسًا بغير شبهة، والقاضي والوالي معذوران 29.
قوله: (وَلا يُشَارِكهُم 30 شَاهِدَا الإحْصَانِ في الْغُرْمِ) يريد: أن شهود الزنى الأربعة إذا رجعوا هم وشاهدا الإحصان بعد الرجم 31 فإن الغرامة تختص بهم، ولا يشاركهم فيها 32 شاهد الإحصان؛ لأنهما لم يصفا للزنا عينًا 33، وقاله ابن القاسم، واختاره أصبغ وسحنون 34، وقال أشهب: يشاركونهم في ذلك 35، فيكون على شاهدي الإحصان الثلث.
وبه قال عبد الملك 36،
الجزء: 5 - الصفحة: 175
وقال محمد: يكون عليهما النصف 37. ورجح بعضهم قول ابن القاسم بأن 38 عبد الملك قال: إن رجوع المزكين عن تزكية مَن زُكي في حق لا يوجب عليهما الغرامة 39. وقاله سحنون، واحتج: بأن الحق إنما ثبت بغير المزكين، ولو شاء 40 الشاهدان بالحق لم يشهدا 41. وكأن الشيخ -رحمه الله- أشار هنا أيضًا 42 إلى ترجيحه بالمسألة المذكورة، ولهذا ذيّل 43 بها مسألة الأصل، فقال: (كَرُجُوعِ الْمُزكِّي).
قوله: (وأُدِّبا في كَقَذْفٍ) أي: فإن رجعا في شهادة القذف أو الشتم ونحوهما؛ فإنما عليهما الأدب لا غير، ولا خلاف فيه.
قوله: (وحُدَّ شُهُودُ الزِّنَا مُطْلَقًا) أي: سواء رجعوا قبل الحكم أو بعده، أي: وقبل الاستيفاء أو بعده.
قوله: (كَرُجُوعِ أَحَدِ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحكْمِ) أي: فإن الجميع يحدون حد القذف؛ لأن الشهادة لم تكمل، ولم أرَ فيه خلافًا.
قوله: (وبَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجعُ) مطلقًا أي: وبعد الحكم حد الراجع (فَقَطْ) 44، أي: دون الثلاثة الباقين، وهو المشهور، وبه قال في المدونة 45، وقيل: يحدون كلهم 46.
قوله: (وإنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ، فَلا غُرْمَ، ولا حَدَّ) أي: إذا شهد بالزنا ستة، فرجع منهم اثنان؛ فإنهما لا يحدان، ولا غرامة عليهما؛ لأنهما كقاذفين، شهد لهما أربعة أن
الجزء: 5 - الصفحة: 176
المقذوف زنى، وهو أحد قولي ابن القاسم، وله قول آخر: إنهما يحدان؛ نظرًا إلى أنهما يعترفان بالقذف 47. المازري: لأنهما مقران أنهما قذفاه بالزنى، وأن من شهد معهما قد كذب في شهادته؛ ولذلك لو 48 قالا: لا نعتقد كذب من شهد معنا؛ بل الغالب صدقهم بعد التهمة 49 عندنا.
لم يحدا.
قوله: (إِلا أَنْ يَتبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدٌ فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ والْعَبْدُ، وغَرِمَا فَقَطْ ربع الدية) هكذا قال في الموازية 50، وعلله: بكون 51 الحد قد أقيم بأربعة، بطل أحدهم لكونه عبدًا، ولا غرامة على العبد؛ لأنه لم يرجع عن شهادته؛ ولكن عليه الحد؛ لأن الشهادة لم تتم، ولا يلزم الثلاثة الباقين حد ولا غرامة.
قوله: (ثم إن رجع ثالث: حد هو والسابقان وغرموا ربع الدية) أي: فإن رجع من الأربعة الباقين ثالث مع الاثنين الذَين رجعا أولًا فإنه يحد هو 52 والسابقان، ويلزم الثلاثة ربع الدية لتكون بينهما أثلاثًا.
قال في الموازية: وسواء رجعوا مجتمعين أو مفترقين 53. ابن رشد: فلو رجع ثالث لزمه غرم ربع الدية، يدخل معه فيه من سبقه بالرجوع، قلوا أو كثروا؛ مع الحد على كل واحد منهم؛ سواء رجعوا معًا أو مفترقين 54.
الجزء: 5 - الصفحة: 177
(المتن)
وَرَابعٌ: فَنِصْفُهَا، وَإِنْ رَجَعَ سَادِسٌ بَعْدَ فَقْءِ عَينِهِ، وَخَامِسٌ بَعْدَ مُوضِحَةٍ، وَرَابِعٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الثَّانِي خُمُسُ الْمُوضِحَةِ مَعَ سُدُسِ الْعَيْنِ كَالأَوَّلِ، وَعَلَى الثالِثِ رُبُعُ دِيةِ النَّفْسِ فَقَطْ، وَمُكِّنَ مُدَّع رُجُوعًا مِنْ بيَّنةٍ كَيَمِينٍ، إِنْ أَتَى بِلَطْخٍ، وَلا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنِ الرُّجُوعِ.
وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ، وَحَكَمَ فَالْقِصَاصُ، وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلاقٍ فَلا غُرْمَ، كَعَفْوِ الْقِصَاصِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنِصْفهُ كَرُجُوعِهِمَا عَنْ دُخُولِ مُطَلَّقَةٍ،