قوله: (فإِنْ قُتِلَ فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ أَوِ الْقِيمَةُ) أي: فإن قتل 2 العبد الموصى بخدمته فإن للوارث -يريد: وارث الموصي 3 - القصاص في العمد 4 وأخذ القيمة في الخطأ 5 وهو قول مالك 6، وذهب المغيرة إلى أنه يستأجر من قيمة العبد من يخدم الموصى له إلى تلك المدة إن كان فيها وفاء بذلك 7.1
الجزء: 5 - الصفحة: 573
قوله: (كَإِنْ جَنَى، إِلا أَنْ يَفْدِيهِ الْمُخْدَمُ، أَوِ الْوَارِثُ فتَسْتَمِرُّ) يشير به إلى أن الوارث 8. أعني وارث الموصي.
كما كان له المقال في القصاص والقيمة، كذلك له الخيار إذا جنى العبد على غيره خير 9 بين أن يفديه أو يسلمه، فإن فداه استمر على حاله، وإن أسلمه خير المخدم أو وارثه بين أن يمضوا ما فعله وارث الموصي ويبطل حقهم من الخدمة، وبين أن يفدوه، وتبقى لهم الخدمة مستمرة 10، وإلى هذا رجع مالك، وكان أولًا يقول: إنما يخير أولًا 11 الموصى له، فإن فداه خدمه بقية الأجل، ثم لا يكون لصاحب الرقبة إليه سبيل حتى يعطيه ما افتكه به، وإلا كان للذي فداه 12 رقا، وقال 13: وإن أسلمه سقط حقه 14 وقيل: لصاحب الرقبة افده أو أسلمه، فإن فداه صار له، وبطلت الخدمة وإن أسلمه استرقه المجني عليه، واختار سحنون هذا القول 15، واختار أصبغ الأول، ولأشهب إنما يكونان فيه كالشريكين يقوم مرجع رقبته، وما بقي من خدمته، فإن قيل: 16 عشرة وعشرة 17. صار حقهما فيه سواء لكل واحد النصف، فإن كان فدياه معا 18، دفع كل واحد منهما نصف الأرش، وكان العبد 19 على حاله وإن أسلماه رق للمجني عليه، وإن فداه أخذه بنصف الأرش وأسلمه الآخر، فإن أسلمه المخدم لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه
الجزء: 5 - الصفحة: 574
صاحب الرقبة كان للمجني عليه بعد الخدمة 20، وهذا كله في الموهوب بخدمته، ومسألة الموصى 21 بخدمته كذلك عند ابن القاسم 22.
قوله: (وَهِيَ ومُدَبَّرٌ، إِنْ كَانَ بِمَرَضٍ في الْمَعْلُومِ) قوله: (وَهِيَ) أي: الوصايا تكون فيما علم الموصي من ماله لا فيما لم يعلم؛ لأن السيد لم يرد ما لم يعلم به، وهذا هو المعروف، وحكى اللخمي والمتيطي 23 في ذلك خلافًا، واختار اللخمي التفصيل؛ فلا يدخل الموصى لهم فيما لم يعلم به وتدخل الكفارات والزكاة؛ لأن قصده فيهن براءة الذمة 24.
قوله: (ومُدَبَّرٌ) 25 يريد: أن المدبر في المرض لا يقوم إلا فيما علم به السيد من ماله فقط، وعلى هذا ثبت ابن القاسم 26، وقيل: يدخل فيما لم يعلم به أيضًا، وحمل الأشياخ المدونة على الأول، والخلاف هكذا في المبتل 27 في المرض، وقيل: يدخل المبتل فيما لم يعلم دون المدبر، وقيل 28: بالعكس.
واحترز بالمرض من المدبر في الصحة 29 فإنه يدخل فيما 30 لم يعلم أيضًا، وإليه رجع مالك 31، وكان يقول: إنما يدخل فيما علم فقط.
الجزء: 5 - الصفحة: 575
قوله: (ودَخَلَتْ فِيهِ، وفي الْعُمْرَى) يريد: أن الوصايا تدخل في المدبر إذا بطل بعضه، قال ابن شاس: والمدبر في المرض وكل ما يرجع 32 بعد موته من عمرى أو حبس، هو من ناحية العمرى، فإن الوصايا تدخل فيه، فيرجع فيه ما انتقض 33 من وصية ولو بعد عشرين سنة 34. قوله: (وفِي سَفِينَةٍ، أَوْ عَبْدٍ شُهِرَ تَلَفُهُمَا، ثُمَّ ظَهَرَتِ السَّلامَةُ قَوْلانِ) قال في الجواهر: وأما إن اشتهر عند الموصي وفي الناس غرق سفينته وموت عبده 35، ثم ظهر سلامة ذلك بعد موته 36، فروى أشهب فيه عن مالك، 37 قال: لا تدخل فيه الوصايا، وروى عنه أيضًا: تدخل 38، وقد ينعى إليه 39 عبده وهو يرجوه 40. قوله: (لا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثٍ) قال مالك: ولا تدخل وصايا الميت إلا في ثلث ما علم به من ماله 41، ولا تدخل فيما بطل عليه إقراره في المرض أو أوصى به 42 فرده الورثة، وهذا هو المعروف، وقال اللخمي وغيره: اختلف في ذلك واختار هو التفصيل 43، فلا يدخل الموصى لهم فيما لم يعلم وتدخل الكفارة والزكاة 44. قوله: (وإِن ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَهَا خَطُّهُ، أَوْ قَرَأَهَا ولَمْ يُشْهِدْ، أَوْ لم يَقُلْ أَنْفِذُوهَا لَمْ تنفدْ)
الجزء: 5 - الصفحة: 576
الضمير في عقدها عائد على الوصية، والمراد بالعقد الوثيقة التي فيها تكتب الوصية، والمعنى أن وصيته إذا وجدت مكتوبة وعرف أن ذلك خطه ولم يشهد عليها لم تفد 45 حتى يشهد عليها 46، وقاله مالك 47 في العتبية والمجموعة، لأنه قد يكتب ولا يعزم، قال في الموازية ونقلها في النوادر 48: بل لو قرأها ولم يشهد عليها لم تفد حتى يشهد عليها 49، وإليه أشار بقوله: (أَوْ قَرَأَهَا ولَمْ يُشْهِدْ) زاد ابن يونس عن الموازية 50، وإذا أتى الشهود بوصيته وقرأها عليهم لم تفد 51.
قوله: (أَوْ لم يَقُلْ أَنْفِذُوهَا) أي: وكذا تبطل إذا لم يقل: أنفذوها، يريد: وأما لو قال: أنفذوها فإنها تنفذ.
قوله: (ونُدِبَ فِيهِ تَقْدِيمُ التَّشَهُّدِ) يريد: أنه يستحب في الإيصاء تقديم ذكر التشهد لمن كتب وصيته 52. قال في المدونة: كذلك فعل الصالحون، وما زال ذلك من عمل الناس بالمدينة، وإنه ليعجبني ورآه حسنًا، وروى عنه أشهب كل ذلك لا بأس به، تشهد 53 أم لا، وقد تشهد أناس صالحون فقهاء وترك أناس ذلك وهو قليل 54. ابن القاسم لم يذكر لنا مالك كيفيته 55.
الجزء: 5 - الصفحة: 577
قوله: (ولَهُمُ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَءوه، ولا فَتَحَ، وتُنَفَّذُ، ولَوْ كَانَتِ عِنْدَهُ) يريد: إذا عرفوا الكتاب بعينه، قال في المدونة: وإن كتبها بغير محضر البينة، ولا قرأها عليهم ودفعها إليهم، وأشهدهم على ما فيها فإن عرفوا الكتاب بعينه، فليشهدوا بما فيه، قال عنه ابن وهب: ولا يضر الشهود في الإقدام على الشهادة بما في كتاب الوصية ولو 56 لم يقرأه لكون الوصية 57 عند الموصى 58 حتى مات 59. انظر الكبير.
قوله: (وَإِنْ شهدا بِمَا فِيهَا ومَا بَقِيَ فَلِفُلانٍ، ثُمَّ مَاتَ فَفُتِحَتْ فَإِذَا فِيهَا ومَا بَقِيَ لِلْمَسَاكِينِ، قُسِمَ بَيْنَهُمَا) يريد: أن الموصي إذا دعا شاهدين فقال: هذه وصيتي وهي مطبوعة اشهدا علي بما فيها، وقد أسندتها لزيد وما بقي فلفلان، ثم مات ففتح الكتاب فإذا فيه، وما بقي من ثلثي فللمساكين فإنه يقسم بقية الثلث بين فلان والمساكين نصفين، قال أصبغ: كما لو كانت لرجلين، قال: سألت عنها ابن القاسم، فقال لي: مثلها سواء 60.
قوله: (وكَتَبْتُهَا عِنْدَ فُلانٍ فَصَدِّقُوهُ، أَوْ أوصيْتُهُ بِثُلُثِي فصدقوه يُصَدَّقُ، وإِن لَمْ يَقُلْ: لابْنِي) يشير به إلى قوله في المدونة عن مالك: وإذا قال قد كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فأنفذوها وصدقوه فإن قوله نافذ ويصدق 61 وينفذ ما فيها، وكذلك إن قال: أوصيته بثلثي فصدقوه جاز ذلك، ونفذ ما قال، وإن قال الوصي: إنما أوصى بالثلث لابني فقال أشهب: يصدق، وقال ابن القاسم: لا يصدق 62، وقال فضل 63: إذا قال: وصيتي عند فلان ولم يقل فأنفذوها لا يمضي منها شيء حتى يقول: انفذوها 64، يريد: أو يقول: فصدقوه.
الجزء: 5 - الصفحة: 578
قوله: (ووَصِيِّي فَقَطْ يَعُمُّ) أي: يعم جميع الأشياء، قاله في المدونة والموازية والمجموعة (1)، ولا خلاف فيه، قال في المدونة عن ابن القاسم: ومن قال: أشهدوا أن فلانًا وصيي، ولم يزد على هذا فهو وصيه في جميع الأشياء، وإنكاح صغار بنيه، ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن، والثيب بإذنها (2).
(المتن)
وَعَلَى كَذَا يُخَتصُّ بِهِ كَوَصِيِّي حَتَّى يَقْدَمَ فُلَانٌ، أَوْ إِلَى أَنْ يتَزَوَّجَ زَوْجَتِي؛ وَإِنْ زَوَّجَ مُوصًى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ، وَقَبْضِ دُيُونِهِ صَحَّ.