قوله: (وقُدِّرَتْ بِحَالِهِ مَنْ يَوْمٍ أَوْ جُمْعَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ) أي 1: وقدرت النفقة بحال الزوج فقد تكون باليوم لكون رزقه مياومة كالصناع والأجراء فيفرض به، وقد تكون بالجمعة كأرباب الصنائع بقرى مصر 2، وبالشهر 3 كأرباب المدارس والمساجد ونحوهما، وقد تكون بالسنة كأرباب الرزق وجند الخليفة 4 فيفرض عليهم بالسنة، وهو قول ابن القاسم، ومنعه سحنون لحوالة الأسواق، فإن لَمْ يقدر إلَّا على خبز السوق فرض عليه كذلك.
قوله: (والْكُسْوَةُ بالشِّتَاءِ والصَّيْفِ) أي 5: أنَّها تفرض 6 في السنة مرتين، مرّة في الشتاء ومرة في الصيف، نقله اللخمي، قال: وتكون بالشهر والأيام، وكذلك الغطاء والوطاء 7.
قوله: (وضُمِنَتْ بِالْقَبْضِ مُطْلَقًا) أي: إذا قبضت نفقة نفسها لمدة مستقبلة ثم ادعت ضياعها فإنها تضمنها، كان الضياع بسببها أم لا، وسواء علم صدقها في ذلك بقيام البينة أم لا، وهذا هو المعروف، وقيل: لا يضمن 8.
الجزء: 3 - الصفحة: 412
قوله: (كَنَفَقَةِ الْوَلَدِ إِلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى الضَّيَاعِ) هكذا ذكر عياض، ثم قال: لأنَّها لَمْ تقبضها لنفسها ولا هي محض أمانة 9؛ لأنَّها إنما أخذتها بحق فتضمنها كالرهان والعواري، وقيل لا تضمن، وحصل بعضهم في هذه والتي قبلها ثلاثة أقوال؛ يفرق في الثالث بين ما قبضته لنفسها فتضمنه أو لولدها فلا تضمنه، وقيل إنها مصدقة فيما قبضته لولدها وتحلف.
قوله: (ويَجُوزُ إِعْطَاءُ الثَّمَنِ عَما لَزِمَهُ) يريد: أن الزوج يجوز 10 له أن يعطي زوجته عن جميع ما لزمه من نفقة وكسوة ثمنًا، وظاهره أن الذي يقضي 11 به عليه فالأصل 12 هو ما فرض لها لا ثمنه، وقد اختلف في ذلك فقيل يفرض الثمن، وقيل: العين، وقيل: إن كانت الأعيان مما يجوز بيعه قبل قبضه فرض لها الثمن وإلا فرض لها الأعيان، وقيل: الإمام مخير، حكاها القاضي عياض 13، وظاهر كلام غيره تعرية ما عدا الطعام عن الخلاف، وإن في الطعام قولين بجواز 14 أخذ الثمن عنه 15 وعدمه.
قوله: (والْمُقَاصَّةُ بِدَيْنِهِ) هذا إشارة إلى قوله في المدونة: وللرجل أن يحاسب امرأته بدينه الذي له عليها من نفقتها 16، ومن هنا أخذ أن الذي يقضي به في نفقتها العين لا الطعام لحكمه بالمقاصة، ومن شرطها استواء الدينين في الجنس والصفة.
قوله: (إِلَّا لِضرَر) يريد: كما إذا كانت فقيرة، فإذا قاصها بما له عليها من دينه أضر بحالها 17، لعدم النفقة.
قوله: (وسَقَطَتْ إِنْ أَكَلَتْ مَعَهُ) أي: وسقطت نفقة المرأة عن زوجها إذا أكلت معه،
الجزء: 3 - الصفحة: 413
أي: كانت مؤنتهما سواء، وليس لها أن تطلبه بغير ذلك، وقاله في الجواهر 18.
قوله: (ولَهَا الامْتِنَاعُ) أي: من الأكل معه وطلب الفرض.
قال في الجلاب: فإن رفعت أمرها إلَّا الحاكم ولم ترض بنفقته عليها فرض لها عليه نفقتها على قدر حاله وحالها 19.
قوله: (أَوْ مَنَعَتِ الْوَطْءَ) أي: وكذلك تسقط نفقتها إذا منعت زوجها من الوطء.
قال في الجواهر: وهي الرواية المشهورة 20، وقيل: لا تسقط.
المتيطي: وهو الأشهر، واختاره جماعة من الأشياخ كالباجي واللخمي 21 وابن يونس وغيرهم 22. أبو عمران: وهو قول مالك وأراه لابن القاسم، وقاله سحنون وهو في الموازية، وإنما اقتصر هنا على القول بالسقوط ولم يحك الخلاف على عادته في مثل هذا؛ لأن الأبهري وغيره حكى 23 الإجماع عليه 24، فترجح عنده لذلك ولسحنون أيضًا إن كان منعها بغضًا لها فيه لَمْ تسقط 25 نفقتها 26، أو لكونها تدعي عليه أنه طلقها فإنها تسقط 27.
قوله: (والاسْتِمْتَاعِ) أي: وكذلك تسقط نفقتها إذا منعته من الاستمتاع، ولو استغنئ عن ذكر الوطء بهذا لكان أحسن؛ لأن الاستمتاع أعم، وقد علمت أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص بخلاف العكس.
قوله: (أَوْ خَرَجَتْ بِلا إِذْنٍ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا) ابن عبد السلام: وهو أشد من نفي الاستمتاع، واستحسن أبو عمران أن يقال: إما أن ترجعي إلى بيتك وإلا فلا نفقة لك،
الجزء: 3 - الصفحة: 414
قال: لتعذر الإحكام والإنصاف في هذا الزمان، واحترز بقوله: (ولم يقدر عليها) من القادر، فالنفقة 28 لازمة له، ولها أن تطلبه 29 بها لقدرته على الاستمتاع بها وجميع منافعها، وله أن يؤدبها على الخروج بغير إذنه هو أو الحاكم.
قوله: (إِنْ لَمْ تَحْمِلْ) يريد: أن ما ذكره 30 من السقوط مقيد بما عدا الحامل، فأما الحامل فلا تسقط نفقتها عنه؛ لقوله تعالى: (وإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) وحيث وجبت النفقة وجبت الكسوة ..
قوله: (أَوْ بَانَتْ) أي: وكذا تسقط نفقة الزوجة إن بانت من زوجها إما بالطلاق الثلاث أو بطلاق الخلع.
قوله: (وَلَهَا نَفَقَةُ الحْمْلِ والْكِسْوَةُ فِي أَوَّلِهِ) يريد: أن الزوج إذا أبان زوجته؛ ثم ادعت أنَّها حامل؛ فإنها لا تعطى شيئًا من نفقة ولا كسوة حتى يظهر حملها.
ابن الجلاب: فإذا ظهر حملها 31 أعطيت حينئذ نفقة الحمل من أوله إلى آخره 32، وظهوره بحركة 33 أو بشهادة امرأتين وما ذكره هو المشهور، ولمالك في كتاب ابن شعبان وغيره أنه لا يدفع لها النفقة 34 إلَّا بعد الوضع لاحتمال أن ينفشَّ عن غير حمل 35.
قوله: (وَفِي الأَشْهُرِ قِيمَةُ مَنَابِهَا) أي: ولها في الأشهر قيمة ما ينوبها يعني من الكسوة وهو معنى قول ابن القاسم في آخر كلامه، وإذا طلبت المبتوتة الحامل الكسوة فإن كانت في أول الحمل فذلك لها، وإن لَمْ يبق من آخر الحمل إلَّا ثلاثة أشهر ونحوها قُوِّم ما كان يصير لتلك المشهور من الكسوة لو كسيت 36 في أول الحمل ثم أعطيت تلك
الجزء: 3 - الصفحة: 415
القيمة دراهم 37.
قوله: (واسْتَمَرَّا إِنْ مَاتَ لا إِنْ مَاتَتْ 38) أي: واستمرت النفقة والسكنى يريد، والمسألة بحالها من كونها حاملًا، ومعنى ذلك أن من طلق امرأته طلاقًا بائنًا؛ ثم مات عنها وهي حامل، فإن نفقتها وسكناها يستمران عليه بعد الممات، وهو ظاهر بالنسبة إلى السكنى، وأما بالنسبة إلَّا النفقة فلا؛ إذْ لا نفقة للحامل المتوفى عنها، وقد 39 اختلف إذا طلق غير الحامل طلاقًا بائنًا، فوجب لها بسببه 40 السكني، ثم مات المطلق وهي في العدة، هل تستمر 41 كما كانت عليه 42 في حياته وهو المشهور؛ لأنه دين في ذمته، وقد نص في النفقات من المدونة عليه.
أو يكون حكمها حكم المتوفى عنها سواء لا سكنى لها؟ وهو قول مالك أيضًا، واختاره يحيى بن عمر وابن رشد، فلو كان الطلاق رجعيًّا سقط سكناها قولًا واحدًا؛ لأنَّها ترجع إلَّا عدة الوفاة فلا سكنى لها إلَّا أن تكون الدار له أو قد نفد كراها، واختلف الأشياخ في قول مالك: لا سكنى لها، هل ذلك مطلقًا 43 أو حيث لا سكنى للمتوفى عنها خاصة؟ فأما إذا كانت الدار له أو كان 44 قد نقد كراها؛ فتجب لها السكني، كما تجب للمتوفى عنها، وهو الظاهر 45.
قوله: (ورُدَّتِ النَّفَقَةُ كَانْفِشَاشِ الْحَمْلِ لا الْكِسْوَةُ بَعْدَ أَشْهُرٍ) يشير به 46 إلى قوله في المدونة: ومن 47 دفع إلَّا امرأته نفقة سنة أو كسوتها؛ ثم مات أحدهما بعد يوم أو
الجزء: 3 - الصفحة: 416
يومين، أو شهر أو شهرين فلترد 48 بقية النفقة بقدر ما بقي من السنة، واستحسن في الكسوة أن لا ترد إذا مات أحدهما بعد أشهر فلا تتبع 49 المرأة فيها بشيء 50.
قال ابن القاسم: وأما إن ماتت بعد عشرة أيام ونحوها فهذا قريب 51، ووجهه 52 ما قال مالك إذا مضى الأشهر 53، وأما قوله: (كانفشاش الحمل) فإشارة منه إلى أن 54 الرجل إذا أنفق على امرأة 55 لظهور حمل، ثم تبين أن لا حمل بانفشاشه أنَّها ترد النفقة، وظاهره سواء حكم بها حاكم أم لا، وقاله مالك وعبد الملك واختاره محمد وغيره ولمالك أيضًا أنَّها لا ترد مطلقًا، وعنه أيضًا إن حكم بها حاكم ردت وإلا فلا، ولابن الماجشون عكسه ورواه عن مالك ابن المواز، وأخبرني ابن الماجشون عن مالك فيما أظن أنه إن أنفق بحكم لَمْ يرجع إلَّا أن تقر المرأة بأن الحمل قد انفش؛ لأن حكمه 56 باطل، وإن قالت: أسقطت لَمْ ترجع؛ لأنه حكم مضى لا ينتقض 57 إلَّا بحقيقة، وكذلك إذا أنفق بغير حكم.
قوله: (بِخِلافِ مَوْتِ الْوَلَدِ فَيَرْجِعُ بِكِسْوَتِهِ وَإِنْ خَلَقَةً) أي: فإن دفع كسوة ولده في المستقبل لأمه 58 ثم مات الولد قبل انقضائها فإنه يرجع بكسوته ولو كانت خلقة، وقال محمد: إنما يرجع إن مات الولد قبل انقضائها، فإنه يرجع بكسوته، ولو كانت خلقة، وقال محمد: إنما يرجع 59 إن مات الولد بالقرب، وأما إن تطاول فلا يرجع.
الجزء: 3 - الصفحة: 417
(المتن)
وَإِنْ كَانَتْ مُرْضِعَةً فَلَهَا نَفَقَةُ الرَّضَاعِ أَيْضًا، وَلَا نَفَقَةَ بِدَعْوَاهَا، بَلْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ وَحَرَكَتِهِ، فَتَجِبُ مِنْ أَوَّلِهِ.
وَلَا نَفَقَةَ لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ وَأَمَةٍ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ، إِلَّا الرَّجْعِيَّةَ.
وَسَقَطَتْ بِالْعُسْرَةِ، لَا إِنْ حُبِسَتْ، أَوْ حَبَسَتْهُ، أَوْ حَجَّتِ الْفَرْضَ.
وَلَهَا نَفَقَةُ حَضَرٍ وَإِنْ رَتْقَاءَ، وَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَ يُسْرٍ فَالْمَاضِي فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْرِضْهُ حَاكِمٌ.
وَرَجَعَتْ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ غَيْرَ سَرَفٍ، وَإِنْ مُعْسِرًا كَمُنْفِقٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ، إِلَّا لِصِلَةٍ.
وَعَلَى الصَّغِيرِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلِمَهُ الْمُنْفِقُ وَحَلَفَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ.