قوله: (ووَجَبَ تَسْلِيمُهُ إِنْ تَعَيَّنَ) يريد: أن الصداق إذا كان معينًا كعبد بعينه، أو دار، أو عرض 3، ونحو ذلك، فإنه لمجب دفعه للمرأة ناجزًا ولا يؤخر، وإن لم تطق الوطء، أو لم يبلغ الزوج، وهو ظاهر؛ لأنه يصير حينئذ كبيع معين يتأخر قبضه.
قوله: (وإلا فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا، وإنْ مَعِيبَةً مِنَ الدُّخُولِ، والْوَطْءِ بَعْدَهُ، والسَّفَرِ إِلَى تَسْلِيمِ مَا حَلَّ) أي: وإن لم يكن الصداق معينًا فلها منع نفسها من الخلوة مع الزوج، وهو مراده بالدخول، ومن الوطء بعد اختلائه بها، وقبل أن تمكنه من نفسها إلى أن يسلم لها ما حل من صداقها، ولها أيضًا أن تمنع نفسها من السفر معه حتى تقبض ما حل من الصداق، ولا فرق في ذلك بين الصحيحة، والمريضة، وكذلك الرتقاء، والمجنونة، ونحوها 4 مما طرأ بعد العقد، ولهذا قال: (وإن معيبة)، وظاهر كلامه أن لها إن شاءت أن تمكن نفسها منه؛ لأنه حق لها، وليس كذلك، بل هو مكروه عند مالك حتى تقبض ربع دينار لحق الله.
تعالى.
حكاه غير واحد.
ابن يونس: وقال ابن حبيب:12
الجزء: 3 - الصفحة: 12
إن اتفقا على البناء بغير تقديم شيء جاز 5.
قوله: (لا بَعْدَ الْوَطْء) أي: فليس لها بعده الامتناع، وإنما لها المطالبة، نص عليه ابن القاسم، وقال محمد: لها الامتناع، والأول هو الصحيح.
قوله: (إِلا أَنْ يُسْتَحَقَّ) أي: فإن لها حينئذ المنع، ولو بعد الوطء؛ لأنها تقول: إنما مكنته بناء على أن الصداق الذي قبضته قد تم لي 6، والآن قد استحقه الغير، فلا أمكنه حتى يدفع إليَّ عوضه.
قوله: (ولَوْ لَمْ يَغُرَّهَا 7) يريد: ان لها ذلك، ولو لم يغرها الزوج، وهو اختيار ابن رشد 8، ولهذا قال: (عَلَى الأَظْهَرِ)، أما إذا غرها فلا إشكال.
قوله: (ومَنْ بَادَرَ أُجْبِرَ لَهُ الآخَرُ اِنْ بَلَغَ الزَّوْجُ، وَأَمْكَنَ وَطْؤُهَا) إذا تنازع الزوجان في التبدئة، بأن قال الزوج: لا أدفع الصداق حتى أدخل، وقالت المرأة: لا أمكنه من نفسي حتى أقبض الصداق، فمقتضي ما في المدونة تبدئة الزوج بالتسليم، وهو المذهب 9 عند جماعة، وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي 10 أن الصداق يوقف، فلا تأخذه حتى تمكن 11 من نفسها، وفي الواضحة: إذا طلبت أخذ النقد قبل البناء، وأبى الزوج إلا عند البناء فله ذلك، إلا أن يشاء تعجيل البناء فلها قبضه 12، يريد: ويجبرها 13 حينئذٍ لأنها دفعت سلعتها، وكذلك لو دفع هو أولًا ما حل من مهرها وجب عليها أن تمكنه من نفسها، وهذا هو مراده بقوله: (ومَنْ بَادَرَ) أي: من الزوجين أجبر له الآخر 14، ثم أشار إلى أن ذلك مقيد ببلوغ الزوج، وإطاقة الزوجة الوطء،
الجزء: 3 - الصفحة: 13
ولمالك في كتاب ابن شعبان: أن قدرة الزوج على الوطء كافٍ في ذلك، ولو لم يحتلم كالمرأة، والأول هو المشهور 15.
قوله: (وتُمْهَلُ سَنَةً إِنِ اشْتُرِطَتْ لِتَغْرِبَةٍ أَوْ صِغَرٍ) التغربة بالغين المعجمة، والراء المهملة، وبعدها 16 باء 17 بواحدة من أسفل.
قال في المدونة: في الذي شرطوا عليه أن لا يدخل إلى سنة إن كان لصغر، أو لاستمتاع 18 أهلها لتغربة الزوج بها فذلك لازم، وإلا بطل الشرط 19، وإليه أشار بقوله: (وإِلَّا بَطَلَ، لا أَكثَرَ).
قال في العتبية، وكتاب محمد: وإذا شرطوا عليه خمس سنين فبئس ما فعلوا، والنكاح جائز، والشرط باطل 20.
قوله: (وللْمَرَضِ، والصِّغَرِ المانِعَيْنِ لِلْجِماعِ) أي: تمهل الزوجة أيضًا إذا كانت مريضة مرضًا يمنع من الجماع، أو صغيرة لا يمكن 21 وطؤها؛ إذ لا منفعة للزوج في الزوجة 22، واحترز بالمانعين مما إذا كان المرض، أو الصغر غير مانعين للجماع 23، فإنها لا تمهل.
قوله: (وقَدْرَ مَا تُهَيِّيءُ مِثْلُهَا أَمْرَهَا) أي: ومن حقها أيضًا أن تمهل قدر ما تجهز نفسها، وتهيئ أمرها من شراء ما تشتريه بالصداق، أو غيره، ونبه بقوله: (مثلها) على أن 24 الرجوع في ذلك إلى 25 العادة، فتمهل مقدار العادة التي تجهز مثلها أمرها فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 14
قوله: (إلَّا أنْ يَحْلِفَ لَيَدْخُلَن اللَّيْلَةَ) يشير به 26 إلى ما وقع لمالك أن من تزوج امرأة، وحلف بطلاقها ليدخلن ليلة كذا لليلة 27 قبل الأجل الذي قدّره أهل العرف 28، فإنه يقضى له 29 ولا يحنث؛ ارتكابًا لأخف الضررين 30.
قوله: (لا لِحيْضٍ) أي: فلا تمهل له 31؛ لأنه لا يمنع من الاستمتاع بما فوق الإزار.
قوله: (فَإِنْ لم يَجِدْهُ أُجِّلَ لإِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ ثَلاثَةَ أَسَابيعَ) أي: فإن لم يجد الزوج الصداق بعد أن طُلب منه، فإن صدقته المرأة، أو قامت 32 لَه بينة 33 على إعساره ضرب له الأجل.
المتيطئ: ويؤجل في إثبات عسرته أحدًا وعشرين يومًا، ستة، ثم ستة، ثم ستة، ثم 34 ثلاثة 35، وهو مراده بالثلاثة الأسابيع، فإذا ثبت إعساره، أو صدق أجله الحاكم، وتلوم له 36. قال 37 في المدونة: ويختلف التلوم فيمن يرجئ، ومن 38 لا يرجئ؛ أي: 39 فيطال للأول الأجل دون الثاني بحسب النظر 40، كما أشار إليه بقوله: (ثُم تُلُوِّمَ بِالنظَرِ).
قوله: (وعُمِلَ بِسَنَةٍ، وشَهْرٍ) أي: ثلاثة عشر شهرًا في 41 مقدار الأجل 42 ستة
الجزء: 3 - الصفحة: 15
أشهر، ثم أربعة أشهر (1)، ثم شهران، ثم شهر، المتيطى: واختاره الموثقون، ولمالك في المختصر: يضرب له السنة والسنتين (2)، ثم يفرق بينهما، وفي الموازية: لا يتعجل بعد السنتين حتى يتلوم له أيضًا لسنة، وشبهها (3).
(المتن)
وَفِي التَّلَوُّمِ لِمَنْ لا يُرْجَى -وَصُحِّحَ- وَعَدَمِهِ، تَأْوِيلانِ.
ثُمَّ طُلِّقَ عَلَيْهِ.
وَوَجَبَ نِصْفُهُ، لا فِي عَيْبٍ.
وَتَقَرَّرَ بِوَطْءٍ وإنْ حَرُمَ، وَمَوْتِ وَاحِدٍ، وإِقَامَةِ سَنَةٍ، وَصُدِّقَتْ فِي خَلْوَة الاِهْتِدَاءِ، وإنْ بِمَانِعٍ شَرعِيٍ.
وَفِي نَفْيِهِ وإنْ سَفِيهَةً وَأَمَةً وَالزَّائِرُ مِنْهُمَا وَإِنْ أَقَرَّ بهِ فَقَطْ أُخِذَ، إِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً.
وَهَلْ إِنْ أَدَامَ الإِقْرَارَ الرَّشِيدَةُ كَذَلِكَ؟ أَوْ إِنْ كَذَّبَتْ نَفْسَهَا؟ تَأوِيلانِ.