(الْوَلاءُ لِمُعْتِقِ) هذا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"، ولا خلاف أن سببه زوال الملك بحرية، وأن ذلك السبب يتنوع ولهذا قال: (وَإِنْ بِبَيْعٍ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ عِتْقِ غَيْرٍ عَنْهُ بِلَا إِذْنٍ) شمل قوله: (بِبَيعٍ مِنْ نَفْسِهِ) الكتابة والقطاعة ونحوهما، وقد علمت أن الولاء فيهما 1 للسيد ولا خلاف فيما إذا أعتق عنه غيره بإذنه أن الولاء له، وكذلك بغير إذنه على المشهور كما نبه عليه المصنف.
وأشار بقوله: (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ بِعِتْقِهِ حَتَّى عَتَقَ) إلى أن العبد إذا كان له عبد فأعتقه ولم يعلم به سيده حتى عتق الأعلى فإن ولاء الأسفل يكون للعبد الأعلى 2 لا للسيد، لأنه لما أعتقه تبعه ماله فجاز عتقه وكان له الولاء.
اللخمي: وقيل: يكون عتيقًا من يوم عتقه فيكون الولاء للسيد الأعلى 3. ولم ينص الشيخ هنا على بقية الأنواع كالتدبير والإيلاد وصريح العتق اكتفاء بما ذكر، ولأن قوله أَوَّلًا: (لِمُعْتِقٍ) يتناوله 4.
الجزء: 5 - الصفحة: 517
قوله: (إِلا كَافِرًا أَعْتَقَ مُسْلِمًا) يريد: أن عتق الكافر لعبده المسلم ليس بسبب أي: ولو أسلم السيد 5 بعد ذلك، وولاؤه للمسلمين، وعن ابن عبد الحكم: أن الولاء يرجع له إن أسلم وهو القياس، قاله اللخمي وابن عبد البر 6. قوله: (وَرَقِيقًا إِنْ كَانَ يُنتزَعُ مَالُهُ) أي: وكذلك الرقيق لا يكون عتقه لعبده سببًا للولاء، يريد: ولو كان بإذن سيده، ومراده بالرقيق القن ومن فيه شائبة حرية، ولهذا قال: إن كان ينتزع ماله، واحترز بذلك من المدبر وأم الولد إذا مرض السيد، ومن المعتق إلى أجل إذا قرب الأجل، وفي الموا زية إذا أعتق العبد، وعلم به سيده، ولم يرد عتقه أن الولاء يكون للعبد، وقال ابن الماجشون: يكون 7 للسيد 8. قوله: (وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ الْوَلاءُ لَهُمْ) قال في المقدمات: إذا قال الرجل 9 لعبده أنت حر عن المسلمين وولاؤك لي، لم يختلف المذهب أن ذلك جائز والولاء للمسلمين 10، ومقتضى كلام اللخمي أن في ذلك قولين 11. وقال القاضي عياض: لا خلاف في جواز العتق عن المسلمين، وإن اختلف لمن = بالأغيار بقوله: "وإِنْ ببِيعٍ مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ عِتْقِ غَيْرٍ عَنْهُ بِلا إِذْنٍ") وشمل قوله: (مِنْ نَفْسِهِ) الكتابة والقطاعة ونحوهما، وقد علمت أن الولاء للسيد ولا خلاف فيمن أعتق غيره عنه أن الولاء له وكذلك بغير إذنه على المشهور كما نبه عليه، ونقل أبو عمر عن أشهب أنه للمعتق وأشار بقوله: "أَوْ لَمْ يَعْلَمْ سَيدُهُ، بعِتقِهِ حَتَّى عَتَقَ" أن العبد كان له عبد ولم يعلم به سيده فإن ولاء الأسفل يكون للسيد الأعلى لأَنه لما أعتقه تبعه ماله فجاز عتقه وكان له الولاء اللخمي وقيل يكون عتقًا من يوم عتقه فيكون الولاء للسيد الأعلى ولم ينص الشيخ هنا على بقية الأنواع كالتدبير والولاء وشرط العتق اكتفاء بما ذكر كره من الأغيار ولأن قوله أولا "لِمُعْتِقٍ" يتناوله).
الجزء: 5 - الصفحة: 518
الولاء 12، صرح ابن شاس بالقولين ونسب القول بأن الولاء للمسلمين لابن القاسم ومطرف، والقول بأنه لمعتقه لابن نافع وابن الماجشون 13.
قوله: (كَسَائِبَةٍ وكُرِهَ) أي: وكره عتق السائبة وهو أن يقول الرجل لعبده: أنت سائبة، يريد: به العتق.
عياض: وولاؤه للمسلمين عند مالك وعامة أصحابه، وروى عنه أنه لمعتقه وهو قول ابن نافع وابن الماجشون 14، وحكي ابن شاس الأول عن ابن القاسم ومطرف، ونقل عن مالك في العتق على هذا الوجه الكراهة 15، ونقله في المقدمات عن ابن القاسم، ونقل عن أصبغ الجواز، وعن ابن الماجشون المنع 16.
قوله: (وَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ عَادَ الْوَلاءُ بِإِسْلامِ السَّيِّدِ) يريد: أن الكافر إذا أعتق عبدًا كافرًا ثم أسلم العبد فإن الكافر ليس له ولاؤه، إلا إذا أسلم أيضًا فإن الولاء يعود له، وهكذا قال في الموطأ 17 والمدونة 18. سحنون: وعود الولاء هنا إنما هو للميراث 19، وأما الولاء فهو قائم لاينتقل.
قوله: (وَجَرَّ وَلَدَ الْمُعْتَقِ) أي: وجر الحر ولاء 20 ولد العبد المعتق، ومراده أن الولاء ينسحب على العبد المعتق وعلي أولاده وأولاد أولاده الذكور والإناث ما لم يكن 21 ولد الولد قد مسَّه الرق في بطن أمه؛ لأن الولاء 22 لا يجر 23 مع وجود رق أو عتق لغيره لأن المباشر أولى، ومذهب الكتاب 24 أن الجر مقيد بما إذا لم يكن العبد حرًّا في
الجزء: 5 - الصفحة: 519
الأصل كإذا 25 أعتق النصراي عبدًا نصرانيًّا ثم هرب السيد إلى دار الكفر ناقضًا للعهد ثم سبي فبيع وأعتق فإنه لا ينجر 26 إلى معتِقِهِ ولاء ما كان أعتق قبل لحوقه بدار الحرب 27، وفي الموازية ينجر 28.
قوله: (كَأَوْلادِ الْمُعْتَقَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَسَبٌ مِنْ حُرّ) أي: من أعتق أمة فولدت ما حملت به بعد العتق فإن ولاء ولدها لمعتقها إذا لم يكن لهم 29 نسب من حر، فإن كان لهم 30 نسب من حر فإن الولاء لا 31 يكون لموالي أمهم 32، قال الجعدي 33: ولا يكون ولاء ولد المرأة لمواليها إلا في أربعة مواضع، أن يكون أبوهم عبدًا، أو يكونوا من زنى، أو من أب لاعن فيهم ونفاهم عن نفسه 34، أو يكون الأب حربيًّا بدار الحرب 35.
قوله: (إِلا لِرِقٍّ، أَوْ عِتْقٍ لآخَرَ) هذا مخرج من قوله: (وَجَرَّ وَلَدَ المُعْتَقِ كَأَوْلادِ الْمُعْتَقَةِ) أي: إلا أن يكون أولادها 36 أرقاء أو معتقين لآخر 37، كمن زوج عبده أمة 38 لرجل ثم أعتقه، والأمة حامل ثم أعتقها سيدها فولدت لأقل من ستة أشهر من عتقها، فإن الأب هنا لا يجر ولاء ولده، لأنه قد مسه عتق لآخر.
قوله: (وَمُعْتَقَهُما) هو معطوف على المنصوب في قوله: (وَجَرَّ وَلَدَ المُعْتَقِ) أي:
الجزء: 5 - الصفحة: 520
وكذلك إذا أعتق رجل عبدا أو أعتق آخر ولده فإن الأب لا يجر ولاء ولده 39؛ لأنه قد مسه عتق لآخر 40.
قوله: (وَمُعْتَقَهُما) هو معطوف على المنصوب في قوله: (وَجَرَّ وَلَدَ المُعْتَقِ) أي: وكذلك يجر ولاء 41 من أعتقاه وأولاده، والمحذوف هناك مقدر هنا؛ أي: وجر ولاء معتقهما، فإذا أعتق عبدًا أو أمة ثم أعتق ذلك العبد أو الأمة عبدًا فإن ولاء العبد 42 الأسفل وأولاده يكون للسيد الأعلى.
قوله: (وَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ، أَوِ اسْتَلْحَقَ رَجَعَ الْوَلاءُ لِمُعْتِقِهِ مِنْ مُعْتقِ الجْدِّ والأُمِّ) يعني: أن الأم إذا كانت معتقة وكان الأب والجد رقيقين فإن ولاء الأولاد لمعتق الأم 43، فإن عتق الجد بعد ذلك رجع ولاء الأولاد لمعتقه، ثم إن عتق الأب 44 رجع ولاؤهم لمعتقه دون معتق الأم والجد، ونقله ابن شاس 45 وغيره 46، وكذلك لو لاعن الأب فولاء الولد لمعتق الأم؛ لأن نسبه قد انقطع، فلو استلحقه رجع ولاء الولد لمعتق الأب؛ لأنه أولى من معتق الأم.
قوله: (والْقَوْلُ لِمُعْتِق الأَبِ، لا لِمُعْتِقِهَا، إِلا أَنْ تَضَعَ لِدُونِ السِّتَّةِ مِنْ عِتْقِهَا) يريد: إذا وقع التنازع بينهما في حمل الأمة، فقال: معتقها أنها كانت حاملًا يوم العتق ليكون ولاء الولد له لكونه قد مسه الرق له في بطن أمه، وقال معتق الأب: إنما حملت به بعد العتق 47 ليكون له الولاء، فإن القول في ذلك قول معتق الأب؛ لأن الأصل عدم الحمل يوم عتقها إلا أن تضع لدون ستة أشهر من يومئذٍ فيكون ولاؤه لمعتق الأم؛ لأنه علم
الجزء: 5 - الصفحة: 521
أنها كانت يوم عتقها حاملًا، وقد مس الجنين الرق لمعتقها في بطنها، فلو وضعت لستة أشهر فأكثر فإن ولاءه يكون 48 لمعتق الأب، وقيده أبو محمد بما إذا لم تكن ظاهرة الحمل يوم عتقها 49، وإلا فكالوضع لأقل من ستة أشهر.
قوله: (وَإِنْ شَهِدَ بالْوَلاءِ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ أَنَّهُما لَمْ يَزَالَا يَسْمَعَانِ أَنَّهُ مَوْلَاهُ أَوِ ابْنُ عَمَّهِ لَمْ يَثْبُتْ، لَكِنَّهُ يَحْلِفُ وَيأَخُذُ الْمَالَ بَعْدَ الاسْتينَاء) أي: خشية 50 أن يأتي له طالب وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يدفع له 51، يريد لأن أخذ المال فرع ثبوت الولاء ولم يثبت حينئذٍ 52، واختلف في ثبوت الولاء بشهادة السماع، ففي المدونة: لا يثبت 53، أي: لاحتمال أن يكون هذا السماع أصله عن واحد وشهادة واحد لا تجوز في الولاء والنسب، ويكون حكمه في المال حكم الشاهد الواحد، ولهذا جمع الشيخ رحمه الله المسألتين وأجاب عنهما بجواب واحد، وهو قوله: (لَمْ يَثْبُتْ ... إلى آخره).
وأخذ أصبغ بما في المدونة، وقال ابن المواز: لا يعجبني، وأكمر قول مالك وابن القاسم وأشهب أنه يقضي بالسماع في الولاء والنسب وفي الأحباس والصدقات، وقال ابن القاسم 54: إن مات في غير بلده وشهد بذلك على السماع فإن الولاء لا يثبت، وإن مات ببلده وشهد فيه على المسماع ثبت الولاء 55؛ إذ لا يحصل في الغالب عن واحد 56.
الجزء: 5 - الصفحة: 522
(المتن)
وَقُدِّمَ عَاصِبُ النَّسَبِ، ثُمَّ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ كَالصَّلاةِ، ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِهِ، وَلا تَرِثُ أُنْثَى إِنْ لَمْ تُبَاشِرْهُ بعِتْقٍ، أَوْ جَرَّهُ وَلاءٌ بِوِلادَةٍ، أَوْ عِتْقٍ.
وَلَوِ اشْتَرَى ابْنٌ وَبِنْتٌ أَبَاهُمَا، ثُمَّ اشْتَرَى الأَبُ عَبْدًا فَأعْتَقَهُ فَمَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الأَبِ وَرِثَهُ الاِبْنُ، وَإِنْ مَاتَ الاِبْنُ أوَّلًا فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ لِعِتْقِهَا نِصْفَ الْمُعْتِقِ، وَالرُّبُعُ لِأَنَّهَا مُعْتِقَةٌ نِصْفَ أَبِيهِا، فإِنْ مَاتَ الاِبْنُ، ثُمَّ الأَبُ فَلِلْبِنْتِ النّصْفُ بِالرَّحِمِ، وَالرُّبُعُ بِالْوَلاءِ، وَالثُّمُنُ بِجَرِّه.