قوله: (وَبَطَلَتْ إِنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ) يريد: أن الهبة تبطل إذا تأخر الحوز إلى الدين المحيط بمال الواهب؛ لأن ذلك مانع من الحيازة؛ بل ليس للواهب حينئذ دفعها للموهوب له؛ لأنه 4 مال الغير.
واحترز بالحيط 5 من غيره، فإن الهبة إن فضلت عن الدين أخذها الموهوب له؛ وإلا أخذ ما فضل منها.
قوله: (أَوْ وَهَبَ لِثَانٍ وَحَازَ) أي: وكذلك تبطل الهبة إذا لم يحزها الموهوب له حتى وهبها الواهب لغيره وحازها الثاني، وهو قول أشهب ومحمد 6، وعن ابن القاسم مثله، وهو قول المغيرة 7 في المدونة، وعن ابن القاسم أنها للأول.
قال محمد: وليس123
الجزء: 5 - الصفحة: 6
بشيء، والحائز أولى 8. وفي البيان قول ثالث بالفرق بين أن يعلم فيفرط فتبطل الهبة، أو لا يعلم فلا تبطل.
وقيل: الفرق بين أن يمضي من المدة ما يمكنه فيه القبض أم لا، وهو قول رابع 9.
قوله: (أَوْ أَعْتَقَ الوَاهِبُ) أي: وكذلك تبطل الهبة إذا كانت رقيقًا فأعتقه الواهب قبل حوز الموهوب له، وهو قوله في الموازية والمدونة 10 والعتبية 11، وسواء علم المعطى بالهبة أم لا.
قال ابن وهب: يرد 12 العتق، وهو أقيس؛ لأن الهبة تلزم بالقول، فقد أعتق ملك الغير فلا يمضي 13.
قوله: (أَوْ اسْتَوْلَدَ) هو - أيضًا - قول ابن القاسم في الكتب الثلاثة.
قوله: (وَلَا قِيمَةَ) أي: على الواهب في الاستيلاد والعتق، وقال ابن وهب: يلزمه القيمة 14.
قوله: (أَو اسْتَصْحَب هَدِيَّةً أَوْ أرْسَلَهَا ثمَّ مَاتَ أَو العينة له إن لَمْ يشهد) يحتمل ثم مات الواهب أو المرسل إليه، والمسألة وقعت، هكذا في الجواهر، قال 15: وإذا أرسل مع رسول هدية أو صلة لغائب، فمات المرسل أو 16 المرسل إليه قبل وصول ما أرسل به؛ فإن أشهد على ما أرسل فهو للمعطَى أو لورثته، وإن لَمْ يشهد بذلك ففي الكتاب: إن مات أحدهما رجع المرسل به إلى الذي أعطى أو لورثته 17؛ لفوات الحوز إن مات الواهب، وعدم القبول إن مات الموهوب 18 له.
الجزء: 5 - الصفحة: 7
وفي الواضحة: من مات منهما رجع إلى ورثته، واستشكل بعضهم مذهب المدونة بأنه أبطل الهبة بموت الموهوب له 19، والمؤثر في بطلانها خلافه، وهو موت الواهب 20.
وقد قال مالك في المدونة في باب آخر: من وهب هبة لرجلٍ فمات الموهوب له قبل قبض الهبة فورثته مكانه يقبضون هبته، وليس للواهب المنع من ذلك 21.
ولهذا قال عياض: لعل معنى ما في المدونة أن يقول الباعث: أنا إنما تصدقت 22 بها صلة للموهوب إليه بعينه إن وجد حيًا، فيكون مُصدقًا؛ إذ لا يلزمه إلَّا ما أقر به من معروف إذا لَمْ يشهد على أصله، فيلزمه بظاهر فعله وقوله 23، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوَ المْعَيَّنَةُ لهُ إنْ لَمْ يُشْهِدْ) 24 وقال بعضهم: إمضاؤه الهبة مع الإشهاد يبطل تعليل الإبطال؛ لعدم الحوز 25، والصواب عندهم في تعليل المسألة: أنه مع الإشهاد قد 26 فعل غاية المقدور.
قوله: (كَأَنْ دَفَعْتَ لِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْكَ بِمالٍ وَلَمْ تُشْهِدْ) يريد: إذا دفع له 27 المال وقال: تصدق به على الفقراء ونحوهم.
ولم يشهد على ذلك، ثم مات الدافع قبل قبض ذلك فإن الصدقة تبطل؛ لعدم الحوز.
قال في المدونة: وإن دفعت مالًا لمن يفرقه على الفقراء، أو في السبيل، ثم مت قبل إنفاذه، فإن أشهدت فإنه ينفذ ما فات وما بقي؛ وهو من رأس المال، وإن لَمْ تشهد فالباقي لورثتك، وإن فرق الباقي بعد موتك ضمن البقية لورثتك 28.
قوله: (أَوْ بَاع وَاهِبٌ قَبْلَ عِلمِ الْموْهُوبِ) يريد: أن الهبة - أيضًا - تبطل إذا باعها
الجزء: 5 - الصفحة: 8
الواهب قبل علم الموهوب بها، وهذا ليس بظاهر؛ وإنما يبطل البيع خاصة إن رده الموهوب له، ويأخذ الهبة.
قال في المدونة: وإن لَمْ يعلم فله نقض البيع 29 في حياة الواهب وأخذها.
ابن يونس وغيره: وكذلك إن علم ولم يفرط حتى غافصه 30 المتصدق بالبيع 31. ونحوه لأصبغ 32. نعم 33، قال أشهب 34: إذا خرجت من ملك الواهب بوجه ما، وحيزت عنه، فليس للموهوب شيء من الثمن 35. وقال محمد: البيع أولى وإن لَمْ يقبض، وتبطل الصدقة 36.
قوله: (وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطي) أي: وإن علم الموهوب له بالهبة قبل البيع نفذ ذلك، وكان الثمن للمعطي، وقاله في المدونة 37؛ إلَّا أنَّها رويت بفتح الطاء من المعطى تارة، وبكسرها أخرى، فيكون الثمن للواهب على هذه الرواية.
وإلى هاتين الروايتين أشار بقوله: (رويت بفتح الطاء وكسرها).
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أن البيع يرد، ويأخذ المعطي عطيته 38.
وفي العتبية: أنه أولى ما لَمْ 39 يفرط في الحيازة، وإلا فلا شيء له 40. وقيل: إن مضى من المدة ما يمكنه فيه الحيازة فله الثمن فقط؛ وإلا فهو أحق بالمبيع 41. وقيل: إن مضى
الجزء: 5 - الصفحة: 9
ما يمكنه فيه الحوز فلا شيء له.
قوله (أَوْ جُنَّ، أَوْ مَرِضَ وَاتَّصَلَا بِمَوْتِهِ) احترز بقوله: (واتصلا بموته) مما إذا أفاق من الجنون، أو صح المريض قبل موته، فإن الموهوب له يأخذ هبته ولا تبطل.
وعلى هذا إذا تصدق ثم جُنَّ أو مرض قبل حوز المتصدق عليه؛ فإن ذلك يوقف حتى ينظر، أيبرأ فيكون على صدقته، أو يموت فتبطل.
وقاله الباجي جريًا على قول 42 ابن القاسم 43.
قوله: (أَو وَهَبَ لِمُودَعٍ وَلَمْ يَقْبَل لِمَوْتِهِ 44 يريد: أن من تحت يده وديعة لرجل، فوهبها صاحبها له، فإن من قال: قبلت.
تمت الهبة؛ لصحة الحوز بعد القبول، وإن لم يقل قبلت حتى مات ربها بطلت.
وهذا قول ابن القاسم في المدونة 45 والموازية.
يريد: لأنَّها لَمْ تنتقل إلى ملك الموهوب له قيل موت الواهب 46؛ إذ القبول شرط في النقل 47. وذهب أشهب إلى أنَّها للموهوب له؛ لأن كونها بيده أحوز للحيازة 48. وقال في المدونة: إلَّا أن يقول: لا أقبل.
محمد: وهو أحب إليَّ 49.
قوله: (وَصَحَّ إنْ قَبَضَ لِيَتَروَّىَ) أي: وصح الحوز، أو التصدق، ونحوه إن قبض المتصدق عليه 50 ذلك؛ ليتروى في قبوله.
يريد: ومات المتصدق عليه، ولا كلام للورثة في رد ذلك.
والتروي: هو أن يقبض 51 لينظر رأيه، لم يقبل الهبة أو يردها.
قوله: (أَوْ جَدَّ فيه أَوْ في تَزْكِيَةِ شَاهِدِهِ) أي: أو جد في القبض، أو في تزكيه من يشهد
الجزء: 5 - الصفحة: 10
له بالهبة، فالضمير المخفوض بالحرف (1) راجع إلى القبض السابق في كلامه، وفي شاهده راجع إلى الإهاب 52 أو التَّصدقْ 53، أو إلى المُتصدَّق عليه.
وفاعل جَدّ ضمير يعود على الموهوب له 54، وحذف من كلامه ما لا يصح الكلام 55 بدونه، وهو موت الواهب قبل قبض الهبة.
والمعنى: أن الموهوب له 56 إذا طلب 57 الهبة من الواهب فامتتع، فجد في طلبها منه، فلم يتمكن حتى مات الواهب؛ فإن الهبة لا تيطل، وكذلك إذا جحد الواهب الهبة، وأقام الموهوب له البينة، وسعى في تزكية شهود الهبة، فمات الواهب قبل التزكية.
وقال عبد الملك: تبطل الهبة 58.
قوله: (أَوْ أعْتَقَ، أَوْ بَاعَ إِذَا أَشْهَدَ، وَأَعْلَنَ) فاعل أعتق، وما بعده ضمير يعود على الموهوب له.
والمعنى: أن الموهوب له إذا أعتق العبد الموهوب له، أو باعه، أو وهبه لغيره، يريد: قبل قبض الهبة؛ فإنها تصح، ويصير فعله ذلك كالحوز، ولا خلاف في العتق.
واختلف في البيع والهبة، فقال أصبغ: ليس بحوز.
وقال مطوف: هو حوز.
ورواه ابن وهب عن مالك؛ إلَّا أنه قيده بما إذا أشهد الموهوب له على فعله وأعلن - كما نبه عليه الشيخ -. روى 59 ابن الماجشون: أن البيع حوز بخلاف الهبة؛ لأنها محتاجة إلى الحوز 60.
قوله: (أَوْ لَمَ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتهِ) أي: وكذلك تصح الهبة إن لَمْ يعلم بها الموهوب له إلَّا بعد موت الواهب.
قوله: (وَحَوْزُ مُخْدَم وَمُسْتَعِيرٍ مُطْلقًا) ولو قال: أو أحاز.
لكان أحسن؛ ليكون (1)) في (ن): (بالحروف).
الجزء: 5 - الصفحة: 11
معطوفًا على قوله: (أو أعتق) وما بعده، ويحتمل أن يكون معطوفًا على (وصح إن قبض) أي: وكذلك يصح حوز المخدم، والمستعير للموهوب له وهو الظاهر؛ ولهذا عطفه بالوا ولا بأو.
ابن شاس: وذلك حيازة له إذا أشهد.
التونسي: ورأى (1) ابن القاسم أنهما حائزان (2) للموهوب له، ولم يشترط علمهما (3) بذلك، كما في المودع (4)، وإليه أشار بالإطلاق، وسواء تقدمت الخدمة على الهبة أم لا، وقال عبد الملك: إن تقدم الإخدام لَمْ يكن المخدم حائزًا للموهوب، وإن أخدم ووهب معًا كان ذلك حيازة (5). واعتبر بعض شيوخ عبد الحق، علم المخدم ورضاه، كما في فضلة الرهن.
(المتن)
وَمُودَعٍ، إِنْ عَلِمَ، لَا غَاصِبٍ وَمُرْتَهِنٍ، وَمُسْتَأجِرٍ، إِلَّا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، وَلَا إِنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ بَعْدَهُ بِقُرْبٍ بِأنَ آجَرَهَا، أَوْ أَرْفَقَه بِهَا، بِخِلَافِ سَنَةٍ، أَوْ رَجَعَ، مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ، وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلآخَرِ، مَتَاعًا، وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا؛ لَا الْعَكْسُ، وَلَا إِنْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ، إِلَّا لِمَحْجُورِهِ: إِلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَينِهِ، وَلَوْ خَتَمَ.
وَدَارَ سُكْنَاهُ، إِلَّا أَنْ يَسْكُنَ أَقَلَّهَا، وَيُكْرِيَ لَهُ الأَكْثَرَ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْف بَطَلَ فَقَطْ، وَالأَكَثَرَ بَطَلَ الْجَمِيعُ، وَجَازَتِ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُكَ، أَوْ وَارِثَكَ، وَرَجَعَتْ لِلْمُعْمِرِ، أَوْ وَارِثِهِ، كَحُبُسٍ عَلَيْكُمَا، وَهُوَ لِآخِرِ كُمَا مِلْكٌ؛ لَا الرُّقْبَى كَذَوَيْ دَارَيْنِ قَالَا: إِنْ مُتَّ قَبلِي فَهُمَا لِي، وَإِلَّا فَلَكَ،