(الْمَجْنُونُ مَحْجُورٌ لِلإِفَاقَةِ) يريد: أن المجنون محجور عليه إلى غاية وتلك الغاية هي إفاقته من جنونه، أي: وسواء كان بصرع أو وسواس.
قوله: (وَالصَّبِيُّ لِبُلُوغِهِ بِثَمَانَي عَشْرَةَ سنة) أي: والصبي أيضًا محجور عليه إلى بلوغه، فإذا بلغ انفك عنه الحجر إن كان رشيدًا والعلامات التي يستدل بها على البلوغ خمس: الأولى 1: السن، ويشترك فيه أيضًا الذكر والأنثى والمشهور أنه ثمان عشرة سنة 2 كما قال هنا، وقال ابن وهب 3: خمس عشرة سنة، والثانية: الحلم، وإليه أشار بقوله: (أَوِ الْحُلُمِ) ويشترك فيها أيضًا الذكر والأنثى، وأما الحيض والحمل وهما العلامة الثالثة والرابعة فيختصان بالأنثى، وإليهما 4 أشار بقوله: (أَوِ الْحَيْضِ والْحَمْلِ).
قوله: (أوَ الإِنْبَاتِ) هو العلامة الخامسة، وهو مشترك بين الذكر والأنثى أيضًا، والمشهور اعتباره، وعن مالك في كتاب القذف أنه ليس بعلامة 5 على البلوغ ونحوه لابن القاسم في كتاب القطع 6، وجعل في المقدمات الخلاف فيما بينه، وبين الآدميين، وأما فيما بينه وبين الله تعالى من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة، وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِلَّا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؟ تَرَدُّدٌ) ابن عبد السلام: وقد اضطرب
الجزء: 4 - الصفحة: 161
المذهب في كون الإنبات علامة اضطرابًا كثيرًا.
قوله: (وَصُدِّقَ إِنْ لَمْ يُرَبْ) ابن شاس: أما السن فبالعدد، وأما الاحتلام فيقبل إذا كان ممكنًا إلَّا أن يعارضه 7 ريبة، فان عارضه ريبة، 8 فلا يصدق، وسواء كان طالبًا كما لو ادعى أنه بلغ ليأخذ سهمه في الجهاد ونحوه أو مطلوبًا كما إذا زنا 9 وأنكر البلوغ ليسقط عنه الحد 10، ابن شاس: وأما الإنبات، فقال ابن العربي: يكشف عنه ويستدبره الناظر ويستقبلان جميعًا المرآة وينظر الناظر 11 إليها فيرى الإنبات أو البياض 12 المسطح 13 انتهى، وأنكر هذا القول ابن القطان المتأخر المحدث، وقال: لا يجوز النظر إلى العورة ولا إلى صورتها وحكى عبد الوهاب عن بعض شيوخه أنه كان يقول بقول 14 ابن العربي في عيب المرأة 15 في النِّكَاح، وأنه يجلس حلف المرأة امرأتان كما تقدم.
قوله: (وَللْوَلِيِّ رَدٌّ تَصَرُّفِ مُمَيِّزٍ) يريد: أن الصبي المميز إذا باع أو اشترى أو وهب أو تصدق 16 ونحو ذلك بغير إذن وليه، ثم علم به وليه 17، فإن له رد ذلك جميعه، أي: وله إمضاؤه ونبه بالمميز على أن غيره أحرى بالرد، وسواء كان الولي أبًا أو غيره، وحكى ابن رشد في البيان في اليتيم يبيع بغير إذن وصيه أو الصغير 18 من عقاره
الجزء: 4 - الصفحة: 162
وأصوله بوجه السداد في نفقته التي لا بد له منها، ولا شيء له غير المبيع أو هو أحق ما 19 يباع من أمواله ثلاثة أقوال: قول بأن البيع يرد مطلقًا 20، ولا يتبع بشيء من الثمن وهو أضعف الأقوال، وقول بأنه يرد إن رأى 21 ذلك الوصي، وقول بأنه يمضي، قال: وأما إذا 22 باع باقل من القمِمة أو باع ما ليس أحق بالبيع فلا خلاف أن البيع 23 يرد.
قوله: (وَلَهُ إِنْ رَشَدَ) أي: فإن لَمْ يكن للصبي ولي أو كان ولم يعلم بتصرفه حتى خرج من الولاية، فإن النظر حينئذ في إجازة ذلك ورده يصير إليه.
قوله: (وَلَوْ حَنِثَ بَعْدَ بُلُوغِهِ) قال في المقدمات: ولا يلزمه بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته وحنث به في حال صغره، واختلف فيما حلف به في حال صغره، وحنث به في حال كبره 24 ورشده فالمشهور أنه لا يلزمه، وقال ابن كنانة يلزمه 25.
قوله: (أَوْ 26 وَقَعَ الْمَوْقِعَ) أي: وإذا كان فعله سدادًا ونظرًا، فإن له أيضًا النظر فيه، فإن شاء رده أو أمضاه، وهو المشهور، وقيل: ليس له ذلك، قال في المقدمات: ويلزمه ما أفسد في ماله مما لَمْ يؤتمن 27 عليه 28، وإليه أشار بقوله: (وَضَمِنَ مَا أفْسَدَ إِنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ) واختلف إن اؤتمن عليه هل يلزمه ذلك في ماله أم لا؟
قوله: (وَصَحَّت وَصِيتهُ، كَالسَّفِيهِ إِنْ لَمْ يُخَلِّطْ) يريد: أن الصبي تصح وصيته إذا 29 لَمْ يخلط فيها كما تصح وصية السفيه، فإن خلط فيها بطلت، نص عليه غير واحد
الجزء: 4 - الصفحة: 163
من أصحابنا.
قوله: (إِلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الأَبِ بَعْدَهُ، وَفَكِّ وَصِيٍّ، أَو مُقَدَّمٍ) يريد: أن البلوغ ليس كافيًا في فك الحجر عن الصبي بل لا بد أن ينضم إليه حسن التصرف وهو حفظ المال في حق من له الأب، قوله: (بَعْدَهُ) أي: بعد البلوغ، وأما من ليس له أب فحتى يفك ذلك عنه (1) الوصي، فإن لَمْ يكن له وصي فمقدم القاضي كالوصي، وقال ابن زرب: ليس للمقدم ذلك إلَّا بإذن القاضي؛ لأنه وكيل له إلَّا أن يكون معروفًا بالرشد.
ابن رشد: والعمل اليوم على هذا القول وشهر المازري الأول، ولهذا اقتصر عليه هنا.
قوله: (إِلَّا كَدِرْهَمٍ لِعَيْشِهِ) أي: فإن الولي ليس له رد ذلك، وهذا مثل قوله في المدونة: ولا يجوز شراؤه إلَّا فيما لا بد له (2) من عيشه مثل الدرهم فيبتاع به لحما أو مثل بقل (3) أو خبز أو نحوه، ويشتري ذلك لعيشه (4) مما يدفع إليه من نفقته.
(المتن)
لَا طَلَاقِهِ وَاسْتِلْحَاقِ نَسَب وَنَفْيِهِ، وَعِتْقِ مُسْتَوْلَدَتِهِ، وَقِصَاصٍ وَنَفْيِهِ، وَإِقْرَارٍ بِعُقُوبَةٍ، وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجرِ مَحْمُولٌ عَلَى الإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، لَا ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِمَا الْعَكْسُ فِي تَصَرُّفِهِ إِذَا رَشَدَ بَعْدَهُ، وَزِيدَ فِي الأُنْثَى دُخُولُ زَوجٍ بِهَا، وَشَهَادَةُ الْعُدُولِ عَلَى صَلاحَ حَالِهَا، وَلَوْ جَدَّدَ أَبُوهَا حَجْرًا عَلَى الأرْجَحِ، وَلِلأَبِ تَرْشِيدُهَا قَبْلَ دُخُولِهَا، كَالْوَصِيّ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ رُشْدُهَا، وَفِي مُقَدَّمِ الْقَاضِي خِلَافٌ.
وَالْوَلِيُّ الأَبُ، وَلَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهُ، ثُمَّ وَصِيُّهُ، وَإِنْ بَعُدَ وَهَلْ كَالأَبِ، أَوْ إِلَّا الرَّبْعَ فَبِبَيَانِ السَّبَبِ؟ خِلافٌ.